فهرس الكتاب

الصفحة 5213 من 27345

3-يجدر الإشارة هنا - للإجابة على التساؤل الثالث- إلى أن الذريعة أو الوسيلة تتفاوت من وسيلة إلى أخرى، فقد تكون الوسيلة مقصدا وغاية لما دونها، وقد تكون الوسيلة تفضي إلى شرور ومفاسد قطعية وكثيرة، وقد تفضي إلى مفاسد وشرور ظنية أو محتملة وقليلة، وعليه فالحاجة التي تبيح الأخيرة لا تبيح التي قبلها للاختلافات، بل قد تصل تلك إلى كونها أشد في جنسها من بعض ما حرم تحريم مقصد من غيرها، والميسر بخصوصه يشمل أنواعا من المسائل التي يتفاوت إفضاؤها إلى الشرور والمفاسد قوة وضعفا، وقلة وكثرة، لذا يقول ابن تيمية:"الميسر اشتمل على مفسدتين: مفسدة في المال وهي أكله بالباطل، ومفسدة في العمل وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب وفساد ذات البين، وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي فينهى عن أكل المال بالباطل مطلقا، ولو كان بغير ميسر كالربا، وينهي عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بالعداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال، فإذا اجتمعا عظم التحريم فيكون الميسر المشتمل عليها أعظم من الربا ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا (20) ، ويقول في موضع آخر:"وهذا أصل مستمر من أصول الشريعة كما قد بسطناه في قاعدة سد الذرائع وغيرها، وبينا أن كل فعل أفضى إلى ذلك المحرم كثيرا كان سببا للشر والفساد فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة نهي عنه، بل كل سبب يفضي إلى الفساد نهي عنه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة فكيف بما كثر إفضاؤه إلى الفساد، ولهذا نهي عن الخلوة بالأجنبية، وأما النظر لها فقد كانت الحاجة تدعو إلى بعضه وخص منه فيما تدعو له الحاجة، لأن الحاجة سبب الإباحة، كما أن الفساد والضرر سبب التحريم فإذا اجتمعا رجح أعلاهما (21) .

4-الأصل في الميسر أنه أقل حرمة من الربا إلا أنه قد يزيد عليه إذا اجتمعت فيه الشرور والمفاسد القطعية والكثيرة، لذا قال ابن تيمية:"فتبين أن الربا أعظم من القمار الذي ليس فيه إلا مجرد أكل المال بالباطل" (22) ، وقال أيضا:"فالربا في ظلم الأموال أعظم من القمار… فلو لم يكن في الميسر إلا مجرد القمار لكان أخف من الربا لتأخر تحريمه، وقد أباح الشارع أنواعا من الغرر للحاجة" (23) ، وفي موضع آخر يقول:"وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار لأن المرابي قد أخذ فضلا محققا من محتاج، وأما القمار فقد يحصل فضل وقد لا يحصل" (24) ، ويقول:"ومفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا (25) ، وبهذا يتبين أن القمار الذي ليس فيه إلا مجرد القمار أقل حرمة من الربا. بهذا السياق نصل إلى نقطة مهمة وهي: ما موقف التأمين مما سبق؟: عند تأملنا للتأمين نجد أنه مجرد مخاطرة بالمال مبنية على استفادة المؤمن عليه عند حصول الحادث المحتمل وقوعه، وخسارته قسطه عند عدم هذا الحادث وربح المؤمن في هذا الحال، فإذا علمنا خلو التأمين من المفاسد المنصوص عليها في الآية وهي الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وعدم وقوع العداوة والبغضاء به، خاصة إذا قام عقد التأمين على قواعد بنود واضحة وغير مجملة، وكان محررا من جهة (شرعية أنواعه) . لم تكن مشكلته حينئذ إلا مجرد القمار الذي يغمر في جانب الحاجة الماسة والمصلحة الراجحة، والقاعدة الفقهية تقول: لا يجوز تعطيل المصالح الغالبة خوفا من المفاسد النادرة، والقاعدة الأخرى: أغلب ما بني عليه الشرع جلب المصالح الظاهرة ودرء المفاسد البينة" (26) .

فكان النظر وقتها محصورا في مدى"الحاجة للتأمين"ومدى أرجحية مصلحته بالنسبة لمفسدته بناء على القاعدة التي ذكرتها وهي أن ما حرم سدا للذريعة يباح للحاجة والمصلحة الراجحة.

(1) الحظر والتأمين، د. رفيق المصري ( ص 57) .

(2) نفس المرجع (ص 33) .

(3) التأمين وأحكامه للدكتور سليمان الثنيان (ص 40) .

(4) نفس المرجع (ص 212 - 240) ، وبحث لبعض أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كما في مجلة البحوث (عدد 19) (ص 71 - 126) .

(5) القاموس المحيط (ص 598) .

(6) د. المصري - مرجع سابق - (ص 73) .

(7) المدونة، كتاب الغرر (255/3) .

(8) الإمام الشافعي (237/3) .

(9) انظر المبسوط للسرخسي (101/15) ، وتبيين الحقائق للزيلعي (132/4) .

(10) سورة البقرة (آية 219) .

(11) انظر تفسير الطبري (370/2) ، وأحكام القرآن للجصاص (450/1) ، والمصنف لابن أبي شيبة (280/5) (194/6) .

(12) مجموع الفتاوى (283/19) ، وانظر القواعد النورانية (ص 194) .

(13) المجموع (22/29) .

(14) إعلام الموقعين (266/3) .

(15) الفروع (430/4) .

(16) د. المصري - مرجع سابق - (ص66) .

(17) سورة المائدة (آية 91) .

(18) انظر الفتاوى الكبرى (30/4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت