فهرس الكتاب

الصفحة 5355 من 27345

ولكن نصلي كما شرع الله ، ونصوم كما شرع الله ، ونبتعد عما حرم الله ، وهكذا في النفقات لا إسراف ولا تبذير ولا بخل ولا تقتير ، ولكن بين ذلك خير الأمور أوسطها ، كما قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [8] فالشرع جاء بالتوسط في الأمور كلها ، وعدم الغلو ، وعدم الجفاء ، وعدم التشدد . قال الله سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [9] أمر الله سبحانه بأخذ الزينة لما فيها من ستر العورات ، ولما فيها من الجمال كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَريشًَا} [10] الريش: ما يتجمل به الإنسان ، فالله خلق لنا شيئا نستر به العورات ، ثيابا تستر العورات ، وخلق لنا ثيابا جميلة وهي الرياش فوق ذلك للتجمل بين العباد ، ثم قال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [11] لباس التقوى: الإيمان بالله ، وتقوى الله: بطاعته واتباع ما يرضيه ، والكف عن محارمه ، هذا اللباس الأعظم ، وهذا هو لباس التقوى.

ثم قال سبحانه وتعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [12] أمر بالأكل والشرب لما فيهما من حفظ الصحة والسلامة ، وقوام البنية؛ لأن ترك الأكل والشرب يفضي إلى الموت ، وذلك لا يجوز ، بل يجب الأكل والشرب بقدر ما يحفظ الصحة ، ويكون الإنسان متوسطا في ذلك حتى يحفظ الصحة ، وتستقيم حاله ، فلا يسرف فيؤدي ذلك إلى التخمة والأمراض ، والأوجاع المتنوعة ، ولا يقصر فيضر بصحته ، ولكن بين ذلك ، ولهذا قال: {وَلا تُسْرِفُوا}

وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) )وهذا الحديث الصحيح يدل على أن الإسراف في الأكل والتوسع فيه أمر غير مرغوب فيه ، بل وخطير ، بحسب ابن آدم ما يقيم صحته ، ويقيم صلبه من اللقيمات التي تناسبه صباحا ومساء ، وفي غير ذلك من الأوقات التي يحتاج فيها إلى الطعام والشراب . فإن كان لا بد ولا محالة من الزيادة فلا يسرف ، فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس والراحة ، للقراءة والتهليل والنشاط الاجتماعي ، ومخاطبة الناس ، إلى غير ذلك ، والإسراف هو الزيادة ، وهو في الأكل يؤدي إلى التخمة ، وهو في الملابس يفضي إلى إضاعة المال ، وعدم الاهتمام بحفظه ، وفي الكلام يفضي إلى ما لا تحمد عقباه ، أو إلى ما حرم الله من الكلام .

الإسراف من شرور الحياة:

وهذا الإسراف في كل شيء من شرور هذه الحياة ، فالمؤمن يتوسط في أموره كلها ، والمؤمنة تتوسط في كل الأمور ، وقد أخبر جل وعلا عن منزلة المبذرين بقوله: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } [13]

فالمبذر مضيع للمال ، لا يؤمن على مال ، والمال له شأن عظيم ، والمال الصالح نعم العون للرجل الصالح ، ينفقه في سبيل الله .

فالواجب حفظ المال وعدم إضاعته ، ولذلك جاء التشديد في شهادة الزور لما فيها من أخذ الأموال بغير حق ، وسفك الدماء بغير حق ، وهتك الأعراض بغير حق ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( ألا أخبركم بأكبر الكبائر ) )؟ قلنا بلى يا رسول الله قال (( الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ) )فكررها عليه الصلاة والسلام . لأن شهادة الزور شرها عظيم وعواقبها وخيمة ، تؤخذ بها الأموال بغير حق ، وتزهق بها الأرواح ، وتنتهك بها الأعراض بغير حق . ولهذا حذر منها عليه الصلاة والسلام .

وجاء في كتاب الله العزيز ما يفيد التحذير منها ، كما قال جل وعلا في سورة الحج: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [14] أما عقوق الأمهات فهو كبيرة عظيمة ، وجريمة شنيعة يجب الحذر منها ، والتواصي بتركها ، وأما الشرك بالله فهو أعظم الذنوب وأكبرها كما قال سبحانه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [15] وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [16] نعود إلى إكمال البحث في التبذير ، يقول سبحانه وتعالى: {وَلا تُبَذِّرْ تبْذيرًَا} [17] يحذر سبحانه من التبذير وهو الإنفاق في غير الوجه الشرعي ، كإنفاق الأموال في ظلم الناس ، وقصد الإضرار بهم ، أو في ظلم النفس كإنفاقها في المسكرات والمخدرات ، وفي التدخين وفي الزنى وسائر المعاصي كالقمار والربا ونحو ذلك ، وهكذا إتلافها من غير سبب كالإفراط في شراء الأغراض التي لا حاجة إليها . هذا من إضاعة المال ، ومن التبذير ، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت