الثاني: إحياء الجوانب الزائفة والمضطربة والفاسدة من التراث على النحو الذي عُرِفَ في تراث التصوف الفلسفي والفكر الباطني ، ولقد ركز الاستشراق على الجوانب المضطربة وأعلى وجعلها في الصدارة ، فقد عمد إلى إحياء التراث الفلسفي اليوناني الذي ترجم في القرنين الثاني، والثالث، بعد أن فقده المسلمون وكشفوا زيفه، وأعلنوا براءة الفكر الإسلامي المستمَدّ من التوحيد الخالص منه ، فأعادوه مرة أخرى وركزوا على مجموعة من الكتابات التراثية المسمومة؛ فأذاعوا بها وجعلوها مصادر للأبحاث والأطروحات وعلى رأسها ألف ليلة وليلة والأغاني وكتابات"ابن عربي"و"ابن سبعين"و"الحلاج"في التصوف الفلسفي وماكتبه"الفارابي"و"ابن سينا"في الفلسفة .
وهكذا نجد أن الباحثين العصريين التغريبيين للتراث اليوم يُولُّون وجوههم شطر هذه الجوانب المضيئة ويحبونها ويهتمون بها ويوجهون الباحثين إلى إحيائها. ومن هنا كانتْ أطروحات الماركسيين حول المزدكية، والبابكية، والقرامطة، والزنج وغيرهم؛ من الفرق الباطنية تحت اسم أصحاب العدل والحرية.
ولم يتوقف أمر الباحثين في التراث عند هذا الحد؛ بل هم يذهبون إلىتدمير مقومات ودعائم تفسير القرآن الكريم، فيهاجمون الشعر الجاهلي ويدعون أنه منتحل؛ وذلك لأنه قاعدة فهم اللغة العربية التي جاء القرآن مطابقًا لهاوقد توسع البعض في هذا، فدعا إلى هدم مناهج اللغة وخاصة البلاغة واستقطاب مناهج اللغات دون تقدير للفوارق العميقة بين اللغات التي نشأت حديثًا من عاميات اللاتينية واليونانية؛ وذلك على النحو الذي احتضنه"الشيخ أمين الخولي".
ولعلّ أخطر ما يحاول الاستشراق والغزو الفكري استغلاله في هدم اللغة العربية ما ذهب إليه في دعوى الحداثة، ومايتصل بها من نظرية البنيوية وغيرها من النظريات التي ترمي إلى القضاء على الجذور والثوابت للغة العربية في محاولة لهدم قوانين النظم العربي؛ وذلك بالدعوة إلى أساليب مدمرة تستوحي آثار الفلسفة اليونانية القديمة في شعر ذلك العصر بشار، وأبونواس، وغيرهم؛ في محاولة لإحياء الفكر الباطني والقضاء على التيار الأصيل: تيار أهل السنة والجماعة .
وهكذا يصيب التغريب اللغة والتاريخ وتفسير القرآن من خلال دعوى عريضة ، هي أن كل علوم العربية تأثرت بالفكر اليوناني، واعتمدت عليه وهي دعوى باطلة مذمومة ، فقد نشأت هذه العلوم وتشكلت أساسًا قبل ترجمة الفلسفة اليونانية على أرجح الأقوال ، وأن الفكر اليوناني حين ترجم استهجنه المسلمون، وقاوموه، وكشفوا زيفه، وكان الإمامين"الغزالي"و"ابن تيمية"في مقدمة هؤلاء الذين بينوا الفوارق العميقة بينه وبين المفهوم الإسلامي القائم على التوحيد الخالص كما بين الامام"ابن تيمية"أن للقرآن منطقًا مختلفًا عن منطق أرسطو والفكر اليوناني القائم على علم الأصنام، وعلى مفهوم عبودية الإنسان للإنسان، واعتماد الرق أساسًا ركينًا لكل حضارة وهو ما هدمه الإسلام وقال فيه الربيعي بن عامر:
(جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلىعبادة الله الواحد القهار)
كذلك في أمر التصوف الفلسفي فقد كشف أهل السنة والجماعة أن هذه المصطلحات التي نقلها ابن عربي، والحلاج، وابن سبعين، والسهروردي وغيرهم؛ من الفكر اليوناني ومن الأفلوطينه والاشراقية لا يقرها الإسلام ولا يعترف بها .
ومن هنا فإن إعادة البحث عنها على أنها جزء من التراث الإسلامي وإحيائها هي محاولة مضللة يجب الكشف عنها .
أما التراث الفلسفي فهو جزء من التراث الزائف جملة وتفصيلًا ، فإن المسلمين لم يعتبروه من أساس فكرهم ، وقد وضح أن الفلسفة الإسلامية الحقة قد بدأت بكتاب (الرسالة) للإمام الشافعي، والذي قعد القواعد للفكر الإسلامي .
أما أن يعتبر البعض رسائل إخوان الصفا مرجعًا للتراث السياسي الإسلامي فهذه دعوى باطلة منقوضة؛ ذلك أن رسائل إخوان الصفا قد تأكدت أنها من تراث الباطنية المجوسية ، والقرامطة وغيرهم فهي مرفوضة تمامًا . لقد آن الأوان أن يتحدد الموقف تمامًا بين التراث الأصيل والتراث الزائف ، وقد حان وقت القول بأن خدعة التعريبيين بإعلاء شأن التراث الزائف والالتفاف حوله والاهتمام به ومحاولة جعله أساسًا وفرضه على الدراسات الجامعية والثقافية هذه الخدعة لن تستمر طويلًا .
فالمثقف المسلم يعرف الآن حدود البدعة المضللة التي يراد إشاعتها للقضاء على الأصالة الحقيقية ، هذه البدعة الضالة التي تتمثل في دعوى عريضة كاذبة بأن التراث الإسلامي أو الفكر الإسلامي في عصر التكوين قد اعتمد على مترجمات الفلسفة اليونانية .