فهذا الادعاء لم يعد يصدقه أحد؛ لأن كل الدلائل تكشف الآن عن أنه لايمثل إلا مغالطة خطيرة فقد اكتمل مفهوم الإسلام قبل أن يختار النبي صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى، وأن الفكر الإسلامي قد تشكل قبل ترجمة الفلسفة اليونانية وأنه ماكادت الفلسفة اليونانية تُتَرْجَم، ويكشف سمومها حتى هب علماء المسلمين لمقاومتها، وإبراز فسادها، ولطالما أشار الباحثون المسلمون إلى أن هناك فوارق عميقة بين التراث الغربي والتراث الإسلامي ، هذه الفوارق مدعاة لاختلاف النظرة والتعامل مع التراث. فالتراث الغربي هو في جملته تراث بشري من ناحية، وتراث وثني من ناحية أخرى، والجانب الديني المرتبط بأصول من وحي السماء قليلة جدًا ، مغيبة في داخل الركام الكثير المختلط بين أصوله وحواشيه، وبين عصوره المختلفة وهو في غالبه تراث أساطير ليس لها جذور ثابتة أو أصول أصيلة، ومن هنا فقد عامله الغربيون على هذا النحو ، حتى كتبهم المقدسة عندما تكشفت حولها ظاهرة الفكر البشري ، بدأ النقاد والباحثون ينظرون إليها على أنها نص إنساني يجوز نقده وتدوينه في مسرحيات وقصص ، وقصائد شعرية ، دون أي تحوط من تغيره أو تحوله بعد الإضافة والحذف .
أما التراث الإسلامي فيختلف اختلافًا واسعًا ، فالجزء الأكبر منه وهو الميراث يتمثل في القرآن والسنة ، والقرآن نص موثق محفوظ لم يعتوره أي تغيير، وكذلك السنة فقد كان أهلها والقائمون عليها هم الذين أنشأوا المنهج العلمي لدراسة النص ومعرفة رجاله وهو المنهج الذي اصطنعه المؤرخون من بعد، وقام عليه المنهج العلمي الغربي .
أما القسم الآخر الذي كتبه علماء المسلمون فقد كان استمدادًا من النص القرآني والسنة يجري كله في مجرى تفسير، وتوضيح، وبناء، وتطوير؛ لكل ما يتصل بعلوم الفقه، والسياسة، والاجتماع والنفس، والأخلاق، والتربية، ومن هنا اختلفت النظرة إلى التراث بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي، ويجب أن يختلف ، فأصوله ليست موضع شك ولم يدحضها فكر بشري، أما تفسيراته وإضافاته فإنها قامت على أصول أصيلة محكمة ، ولم يبق بعد ذلك إلا هذا التراث الزائف التي كتبه المجوس والباطنية والشعوبيون من تلك الفرق الزائفة التي كانت ترمي بكتاباتها إلى هدم المجتمع الإسلامي والتشكيك في القيم الإسلامية والتي واجهها أهل السنة والجماعة منذ اليوم الأول بالرد على أضاليلها وكشف زيفها ونقص دعاواها الباطلة.
وقد حاولت المدرسة العلمانية المضللة منذ اليوم الأول أن تجد تراث الوثنيين اليونانية والفكر الباطني القديم، وإحياء كتبه بعد أن اندثرت فدعا"طه حسين"وجماعته إلى اتخاذ كتاب الأغاني مرجعًا أساسيًا لدراسة المجتمع الإسلامي وهو على ما به من تصوير زائف للقرن الأول والثاني الهجري وخاصة فيما يتصل بالخلفاء في عصر بني أمية وبني العباس واتّجه تلاميذهم إلى الهجوم على أساسيات الفكر الإسلامي فكتب"فريد رفاعي"عن عصر"المأمون" (المامون الذي دعا إلى فرية خلق القرآن وحشد لها الحشود) وكتب"زكى مبارك"عن (الغزالي) الذي حطم الفلسفة اليونانية وكشف زيف دعاواها (وإن كان قد اعتذر عن ذلك فيما بعد) .
وكتب"أحمد أمين" (ضحى الإسلام) عن المعتزلة ووصفهم بأنهم حكماء الإسلام وأحيا"طه حسين"في كتابه (هامش السيرة) الأساطيرَ التي دحضها مؤرخو السيرة النبوية بدعوى إنشاء (ميثولوجيا إسلامية) كما أحيا كثيرون تراثَ التصوف الفلسفي والفكر الباطني؛ فكتبوا عن الحلاج، وابن عربي، وابن سبعين، والسهروردي ؛ وكتب غيرهم عن ابن سيناء والفارابي، وكتب غيرهم عن القرامطة والمزدكية والبابكية .
هذا فضلًا عن ترجمة كثير من الأساطير اليونانية القديمة التي رفضها مترجمو المسلمون في القرن الثالث ، وبذلك انفتح المجال في العصر الحديث إلى توسع دائرة التراث الزائف وخاصة التراث اليوناني القديم ، وكان ذلك من المتناقضات الشديدة الخطر ، إذ أن أصحاب الدعوة إلى التنكر للتراث الإسلامي القريب المتصل بنا في الأربعة عشر قرنًا الأخيرة ، هم أنفسهم الذين يدعون إلى إحياء تراث اليونان، والرومان، وفارس، والفراعنة السابق لذلك الذي انقطعت الصلة بيننا وبينه
ولكن قوى ذات نفوذ كبير كانت وراء هذه الموجة وهي التي مكنت لتدريس اليونانية واللاتينية في الجامعات المصرية بينما حالت من ناحية أخرى دون حفظ القرآن الكريم في الأزهر، والدعوة إلى تطوير اللغة العربية، والتنكر لأساسياتها في النحو والبلاغة.