وإذا نظرنا إلى ما قاله (هاملتون جب) ق\رنا تمامًا مدى الخطر الذي أحاط بالمسلمين خلال القرن الماضي. فقد سيطرت قوى الاستعمار ومن ورائها قوى الاستشراق والتغريب، والغزو الثقافي وأداتها معاهد التبشير وجامعات الإرساليات بمختلف صورها: أوروبية وأمريكية وكاثوليكية وبروتستانتية، ومن ورائه الفكر التلمدي والاستشراق اليهودي الذي يستهدف غايات أخرى تختلف عن الغايات التي يطمع فيها الاستعمار، والتي تقوم أساسًا على مصدر واحد هو حرمان هذه الأمة الإسلامية من تطبيق شريعتها الإسلامية كمنهج حياة، والحيلولة دون استمداد ثقافتها وتربيتها وتعليمها من مناهج القرآن الكريم.
ويمكن القول اليوم: إن التعليم بهذه الصورة مصدر كبير للغزو الفكري وسبب بارز من أسباب تخلف المسلمين. وقد انتقلنا في السنوات الأخيرة إلى الاعتراف بهذه الحقيقة وخفت رياح التهافت على التعليم الغربي. وبقى أن ندخل في المرحلة الحاسمة وهي النظر إلى هذه المناهج نظرية علمية وواقعية تضع علوم الغرب ونظرياته موضع الفحص والدراسة. وتكشف مع الفروق العميقة بين وجهة نظره وبين وجهة نظر الفكر الإسلامي. وكيف نجد أن معطيات الإسلام أكثر إيجابية وسلامة وقوة، ليس للمسلمين وحدهم، ولكن للبشرية كلها. هذا على حد تعبير العلامة السيد أبو الحسن الندوي في مهرجانه القريب الذي دعا فيه إلى إقامة التعليم في إطار التربية الإسلامية. والعمل على تغيير نظام التعليم تغييرًا جوهريًا يلائم طبيعة الأمة الإسلامية انطلاقًا من مبدأ واضح صريح. هو أن عملية التربية في أي أمة وبلاد ليست بضاعة تصدر أو تستورد كالمواد الخام. وإنما هي لباس - يفصل على إقامة الشعوب وملامحها القومية وتقاليدها الموروثة، وآدابها المفضلة وأهدافها التي تعيش لها وتموت في سبيلها. وأن التربية ليست إلا وسيلة راقية مهذبة لدعم العقيدة التي يؤمن بها شعب أو بلد وتغذيتها بالاقتناع الفكري القائم على الثقة والاعتزاز، وتسليمها بالدلائل العلمية إذا احتيج إليها، وسيلة كريمة لتخليد هذه العقيدة ونقلها سليمة إلى الأجيال القادمة. أ هـ - وإذا كنا نرى أن نتائج نظام التربية الغربية الوافد قد ظهر واضحًا في تكوين هذه الأجيال - الممزقة المضطربة القلقة نفسيًا المأزومة فكريًا في بلادنا فإننا نجد أن الغرب نفسه قد أخذ يعلن فساد هذا النظام الذي حمل لواءه الفيلسوف (ديوي) - والذي وجد بالتآمر والتمويه أثرًا عميقًا في البيئات الإسلامية والعربية، فقد نشرت مجلة - تايم نيو مجازين في 31/3/1948 م بحثًا ضافيًا أشارت فيه إلى فشل نظرية (ديوي) القائلة بأن الله والفضيلة كلها غايات قابلة للنقاش والجدل. ومن ثم فلا جدوى من مناقشتها وفي مكانها يجب أن تحل غاية أخرى هي: (الانسجام مع الحياة) وقال الكاتب أن الطلبة قد انقطعت صلاتهم بتقاليدهم. وأن هناك حاجة كبرى إلى التفكير في الأهداف السليمة للتربية وأنه لابد أن يكون هدف التربية الأول هو تزويد الفرد بثقافة صحيحه تقنعه بأن هناك تاريخًا وأهدافًا وراء هذه التربية.
ولا ريب أن الفصل بين التربية والعقيدة والأخلاق إذا صلح كمنهج في الغرب فإنه لا يصلح في العالم الإسلامي والأمة العربية لأنه يتعارض مع (تكامل) منهجها في الحياة، ونظامها الرباني الجامع.
ومعنى عزل الدين أو الأخلاق عن التربية هو بناء شخصية هشة طرية لا تمتلك القدرة على حمل أمانة المجتمع ومسئولية الأمة. ولا تكون قادرة على مقاومة العدوان أو مواجهة وسائل الإغراء، أو مؤامرات القضاء على كيان العالم الإسلامي.
وعندما نستقضي مناهج التربية في العالم كله فلن تجد منهجًا واحدًا منها يخطي بما يخطي به برنامج التربية الإسلامية من التكامل الجامع ومن الاستعلاء على أهواء البشرية، ويتمثل هذا التكامل في خصائص خمسة:
أولا:الجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ثانيًا: الجمع بين الروح والجسم والعقل.
ثالثًا: الجمع بين التربية للفرد والتربية للمجتمع.
رابعًا: الجمع بين الغايات الوطنية والغايات الإنسانية.
خامسًا: الجمع بين التربية دينية وخلقية وعقلية.
ويقوم هذا المنهج على التوازن والموائمة فلا لطفى فيه ناحية من النواحي على ناحية أخرى. ويكون به الفرد فرديًا واجتماعيًا، لا تطغى فرديته على جماعيته يقوى استقلاله الذاتي وتفتحه الروحي والعقلي معًا. وينتقل من الأنانية إلى الغيرية، إنه إعداد الفرد لذاته ولمجاوزة ذاته في نفس الوقت. وبذلك ينتقل الإنسان من أهوائه إلى الحق، ومكن الحيوانية إلى الإنسانية، ومن البشرية إلى الربانية، فيكون قابلًا للارتفاع فوق المطامع والشهوات متجهًا إلى الارتفاع (ولو شئنا لرفعناه بها) .
إن التربية الإسلامية تحقق للإنسان مفهوم الحرية الصحيح: التحرر من الأهواء والغرائز والنزوات. وذلك عكس ما ترمي إليه الغربية التي تقصر الإنسان على الاستجابة للأهواء.