فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 27345

إن الواجب على المسلمين جميعًا في هذا الوقت العصيب وقد حل بهم البلاء ونزلت في ساحاتهم المصائب والفتن والرزايا أن يجأروا إلى الله وأن يلحوا عليه في الدعاء فقد أمرهم بذلك في كتابه الكريم فقال سبحانه: ? ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ? [الأعراف:55 ] وقال سبحانه مبينًا قدرته وعظمته وأنه الذي ينبغي للخلق جميعًا أن يفزعوا إليه: ? قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ? [الأنعام:63-64] .

إن الاستكانة لله والتضرع إليه تعالى عند نزول البلاء واشتداد الفتن والمحن. هو دليل التوفيق والإيمان وهو دليل خشوع القلب ورقته وحياته ويقظته قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: كابدت العبادة ثلاثين سنة، فرأيت قائلًا يقول لي: يا أبا يزيد، خزائنه مملوءة من العبادة، من أهل السماء والأرض، إن أردت الوصول إليه فعليك بالذلة والافتقار، وبذلك يعلم أن العذاب لا يرفع إلا بالإنابة وإفراد العبودية لله الواحد القهار.

إن المؤمن حين يلجأ إلى الله يبث إليه همومه ومشكلاته ويشكوا إليه يجد الأنس والطمأنينة وحلاوة المناجاة ولذة الإيمان.. ولهذا قال أحد العباد:

إذا ما تمنى الناس روحًا وراحة تمنيت أن أشكوا إليك وتسمع

فالمصائب كلها علاجها اللجوء إلى الله وبالتوبة والاستغفار ، أخرج ابن جرير عن الحسن قال: إذا أصاب الناس من قبل السلطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ قوله تعالى: ? وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ? [المؤمنون:76] .

وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعرفه من نفسه ـ يعني التقصيرـ فإن الله قد أجاب دعوة شر خلقه إبليس حين قال: ? ... رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ? [ص:79 ] فإن الله تعالى يفعل ما يشاء ويجيب من يشاء متى شاء، وهو تعالى يجيب دعوة الداعين له والمضطرين غالبًا وإن كانوا مقصرين في حقه، تفضلًا منه سبحانه وإحسانًا وإكرامًا فقد امتن الله على المشركين بأنه هو الذي يجيبهم عند الاضطرار فقال: ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ? [النمل: 62] .

وسياق الآيات يدل على أن الخطاب موجه للمشركين لأنهم لا يعترفون بهذه الأمور ومع ذلك لا يفردون الله بالعبادة فهو سبحانه يجيب دعاء المضطرين مؤمنين وكفارًا، وهذا مقتضى ربوبيته الشاملة لخلقه فهو يربيهم بالنعم، ومنها إجابة الدعاء وإغاثة الملهوف وإعانة المكروب وإزالة الشدائد وكشف الكربات.

قال تعالى: ? يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ? [الرحمن: 29] . ومن أسمائه الصمد .. وهو الذي تصمد إليه الخلائق وتقصده في طلب كل حوائجها وتفريج كرباتها وهمومها. وإذا توجه الخلق إلى ربهم في حال اضطرارهم تجتمع النية وتتوجه القلوب إلى الله تعالى ويُقطع الرجاء عن غير الله، ويتيقن الناس أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه حينها تحصل سرعة الإجابة كما قال سبحانه: ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ...? [ النمل:62] .

ذكر ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن عون بن عبد الله قال: بينما رجل في بستان في مصر في فتنة ابن الزبير مع الحجاج، كان مكتئبًا معه شيء ينكت به الأرض، إذا رفع رأسه فعرض له صاحب مسحاة، فقال له يا هذا مالي أراك مكتئبًا حزينًا؟ قال: فكأنه ازدراه، واستصغر شأنه فقال: لا شيء فقال صاحب المسحاة: أللدنيا فالدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة أجل صادق يحكم فيها ملك قادر يفصل بين الحق والباطل. فلما سمع ذلك منه أعجبه فقال له مبينًا سبب اكتئابه: أنا مكتئب لما فيه المسلمون من فتن ومحن قال: فإن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين وسل، فمن ذا الذي سأل الله عز وجل فلم يعطه ، ودعاه فلم يجبه، وتوكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه؟ قال: فعلقت بالدعاء وكان يقول: اللهم سلمني وسلم مني ، فانطفأت الفتنة ولم تصب منه أحدًا.

وذكر الإمام النووي رحمه الله في كتاب الأذكار عن يحيى القساني عن بعض أهل الكتاب قال: أصاب الناس قحط في عهد داؤود عليه السلام فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم، فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفوا عمن ظلمنا، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا فاعف عنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت