فهرس الكتاب

الصفحة 5516 من 27345

-ومن ذلك قوله عز وجل: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم * ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالدي إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون * يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير * يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور * ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور * وأقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) .

والقرآن كله مواعظ للمتقين كما قال تعالى: ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) . ولقد كان وعظ النبي صلى الله عليه وسلم على أرقى مستوى وأعلى درجة ، فكان يأسر بوعظه قلوب السامعين، فإما منًا بعد وإما فداء.

وغاية الواعظ أن يصل بمن وعظه إلى الخشية الحقيقية التي تحتمع في وجل القلب، ودمع العين، وأن يتذكروا أمور الآخرة فكأنهم يرونها رأي العين، وهكذا كان وعظ النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث العرباض بن سارية قال: ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا) الحديث.

وكذا في قصة حنظلة عندما قارن بين حال قلبه في مجلس وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندما يفارق هذا المجلس إلى مجالسة الزوجات والأولاد، فقال: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات) .

وقد كان لوعظه صلى الله عليه وسلم سمات:

-فمن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يكثر عليهم فيملوا، بل يجعلهم دائمًا متشوقين إلى وعظه صلى الله عليه وسلم.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السام علينا، أو قال: السآمنة علينا.

ومن فقه الرجل تقصير الخطبة، وإطالة الصلاة.

من هديه صلى الله عليه وسلم في الوعظ أنه كان يؤثر في الصحابة رضي الله عنهم بقوة يقينه وتأثره، وكان يرفع صوته ويحرك يديه كأنه منذر جيش.

عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات يومًا على المنبر: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر: يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أن العزيز، أنا الكريم، فرج برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرن به. أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الدكتور عبد الله ناصح علوان: ولا يتصف الواعظ الداعية بهذا التأثير إلا أن يكون مخلص النية، رقيق القلب خاشع النفس، طاهر السريرة، مشرق الروح.

وفرق كبير بين داعية يتكلم بلسانه وهو متصنع بالكلام ليسبي به قلوب الرجال، وبين داعية مؤمن مخلص مكلوم القلب على الإسلام، يتكلم بنبضات قلبه ولواعج حزنه وأساه لما آل إليه حال المسلمين، فلا شك أن تأثير الثاني أبلغ، والاستجابة إليه أقوى، والاتعاظ بكلامه أعظم.

قال عمر بن ذر لأبيه: يا أبت ما لك إذا تكلمت أبكيت الناس، وإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟ فقال: يا بني ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.

-ومن هديه صلى الله عليه وسلم في الوعظ أنه كان يستعين أحيانًا بضرب الأمثال، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تشم منه رائحة طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تشم منه رائحة خبيثة) .

-ومن هديه صلى الله عليه وسلم في المواعظ أنه كان يستعين أحيانًا بالرسوم الإيضاحية، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأً مربعًا، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه، وخط خطوطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط. فقال: (هذا الإنسان وهذا أجله محيط به ، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج -أي عن الخط- أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت