إن إدراك سوء الواقع ومرراته، والحرص على إثارة تفاعل الناس مع الواقع، قد يقودنا إلى مبالغة في الحديث لا ندرك آثارها، ومما يزيد الطين بلة أن كثيرا من المتحدثين يقف عند ذكر المخاطر والآثار، دون أن يتحدث عن برامج عملية لمواجهة المتغيرات -وهذا مايحتاجه الناس- والبرامج التي تقدم معظمها غير واقعية تزيد الناس يأسًا من التغيير.
والذي يبنغي مراعاته عند الحديث عن هذه المتغيرات: الاعتدال وعدم المبالغة، والاعتناء بتقديم الحلول والبرامج العملية للناس، وتلمس الجوانب والمداخل التي يمكن الإفادة منها وتوظيفها مهما كانت محدودة.
الاعتناء بالتربية الإيمانية:
فينبغي أن نعتني بها أكثر من ذي قبل، وهي للأسف يتقلص دورها كثيرًا، أولًا في دائرة الأسرة فالأسر المحافظة تحافظ على أولادها وبناتها، وتراقب حالات الانحراف والتغير، وربما تحول بين أولادها وبناتها وصحبة أهل السوء، لكنها تقف عند هذا الدور، فهي تمارس مهمة الحماية فحسب.
وقلما نجد من الأسر المحافظة فضلا عن الأسر المتفلتة من تعتني ببناء أولادها.
وفي دائرة المدرسة نتساءل: إلى أي حد مدارسنا اليوم تربي أبناءنا وبناتنا على حقائق الإيمان والتقوى والصلاح؟ ماذا يسمع أبناؤنا وبناتنا اليوم في مدارسهم؟ هل يجدون فيها ما يرقق القلوب وما يصلهم بالله عز وجل؟ أم أنهم يعيشون في عالم أحسن أحواله أنه عالم مادي بحت يعيش مع المعرفة المجردة فقط بعيدًا عن هذه المعاني المهمة؟
إن الإيمان يقي صاحبه ويحميه من الوقوع في الرذائل, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي e:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" (رواه البخاري(2475) ومسلم (57 ) ) .
وعن أبي شريح رضي الله عنه أن النبي e قال:"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"قيل: ومن يا رسول الله، قال:"الذي لا يأمن جاره بوايقه" (رواه البخاري(6016 ) ) .
والإيمان له أثر آخر على صاحبه، فهو يسمو بالنفس ويعلي أهدافها، ويجعل صاحبها يتعلق بالدار الآخرة أكثر من تعلقه بالدنيا.
وثمة عوامل تدعونا إلى بذل مزيد من الاهتمام بالتربية الإيمانية، ومنها: أن المتغيرات الجديدة تتسم بانفتاح هائل للشهوات وأبواب الفساد المحرمة، من خلال القنوات الفضائية وشبكة الإنترت، والانفتاح المتزايد على العالم الآخر، والعامل الثاني: أن المتغيرات الجديدة تزيد فيها الماديات ويعلو شأن تعلق الناس بها، حتى الصالحون منهم يصيبهم مايصيبهم في ذلك. إن وسائل الاتصال المعاصرة ومصادر الثقافة الجديدة تنقل الناس إلى عالم مادي بحت لاصلة له بما وراء المادة المحسوسة، ولا صلة له بالدار الآخرة وما يدعو إليها، بل إن الفتنة بالمنهج العلمي تقود إلى التشكيك في كل مالا تدركه حواس الناس القريبة.
كل هذا يدعو إلى الاعتناء بتدعيم التربية الإيمانية وتقويتها في كافة المؤسسات التربوية.
والتربية الإيمانية لابد أن يراعى فيها المعنى الشرعي للإيمان وشموله لكافة جوانب الحياة، وعدم التركيز على مجرد أداء الشعائر بل الاعتناء بالأصل وهو أعمال القلوب.
تقوية الحماية الداخلية:
تقلل المتغيرات الجديدة من فرص الضبط الخارجي والسيطرة، ومن ثم لابد من تقوية الحماية الداخلية، التي تجعل المرء يراقب الله تعالى، ويستطيع السيطرة على نفسه وضبطها، ومن الوسائل التي تعين على تقوية الحماية الداخلية:
أ - الاعتناء بالإقناع:
فالتوجيهات التربوية التي يتلقاها المتربون في مجتمعاتنا تعتمد على التوجيه المباشر، وتعتمد على تلقين النتائج والأحكام، وهذا لو نجح مع جيل لايتعامل إلا مع من يربيه، فإنه لن ينجح مع جيل لايعد المربي فيه على أحسن أحواله إلا واحدا من العوامل المؤثرة على المربي، وهذا يتطلب مراجعة شاملة لمحتوى المواد التربوية، ولأساليب تقديمها، وإلى اعتبار القدرة على الإقناع من أهم معايير اختيار المربين.
ب - تنمية قدرات الانتخاب والاختيار واتخاذ القرار
فالمتربي كان فيما سبق في كثير من مواقفه أمام موقف واحد أو رأي واحد، وهذا يجعله لايعاني من صعوبة اتخاذ القرار، أما الآن فهو أمام متغيرات عديدة، وأمام آراء وبدائل متكافئة في درجة إقناعها له.
وهذا يتطلب أن تضمن الخبرات التربوية مايعين المتربي على الاختيار بين البدائل واتخاذ القرار، ومراعاة ذلك من خلال مايقدم للمتربين، سواء في اختيار موضوعات ضمن البرامج العلمية والثقافية تحتاج إلى الاختيار واتخاذ القرار، أو في طريقة تقديم المادة العلمية بحيث يعطى المتربي الفرص في التدرب على الاختيار واتخاذ القرار تحت إشراف المربين مما يزيد من قدرته على الاستقلال بنفسه في ذلك، أو في وضعه في مواقف عملية تتطلب الاختيار بين البدائل واتخاذ القرار.
ج - تنمية الإرادة وتقويتها