فهرس الكتاب

الصفحة 5613 من 27345

5-الرغبة في التسلط وإذلال الآخرين:ذلك أن بعض الناس قد يلقى شدة وضغطًا في تربيته، أو تهوينًا وتسيبًا إلى حد حب التسلط والإذلال، ومثل هذا يرى الصدارة والريادة، بابًا يلج منه ليتشفّى، وليشبع غريزة أفرزتها التربية السيئة؛ لذا فإن نفسه تتوق إلى هذه الصدارة، ويجتهد في طلب تلك الريادة.

آثار التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة:

أ- آثارها على العاملين:

1-الحرمان من التوفيق والعدل الإلهي: ذلك أن التطلع إلى الصدارة، وطلب الريادة يعني الوثوق بالنفس، والاعتماد عليها وعلى ما لديها من طاقات، وإمكانات، دون الحاجة إلى عون وتأييد من الله، وقد جرت سنة الله مع خلقه، أن يتخلى عمن اعتمدوا على حولهم وقوتهم، غير عابئين بحوله سبحانه وقوته، وما ظنك بمن تخلى عنه ربه، أيكتب له توفيق، أو يحظى بأي عون أو تأييد؟ اللهم لا !! عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا' رواه البخاري ومسلم .

2-تعريض النفس للفتنة، وبالتالي للغضب الإلهي:وذلك أن من تطلع إلى الصدارة، وطلب الريادة، فقد جعل نفسه في مهب ريح الفتن، إذ ربما ينسى بهذا التطلع، وذلك الطلب: مراقبة الله، والحساب والمساءلة غدًا بين يديه سبحانه، فيركن إلى الدنيا، ويرضى بها، وينسى تبعات وتكاليف هذا الأمر، بل ربما جار وظلم، وهذا كله ينتهي به إلى استحقاق الغضب والسخط الإلهي، الذي يتمثل في العقاب، والعذاب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:' إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ' رواه البخاري .

3-تضاعف الأوزار: وذلك أن من يصل إلى الصدارة والريادة بعد التطلع والسؤال، قد يفتن، ويقتدي ويتأسى به من هم دونه، فيعرضون أنفسهم للفتنة مثله، وحينئذ تتضاعف عليه الأوزار، والأحمال، فيحمل وزره، ووزر من اقتدى وتأسى في الشر به، وصدق الله: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِن أَوْزَارِ الَّذِينُ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ [25] [سورة النحل] . عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ' رواه مسلم.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:' ...مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا' رواه مسلم.

4-القتل أو النفي أو التشريد في الأرض: وذلك أن التطلع إلى الصدارة، وطلب الريادة قد يؤدي إلى التشاجر والتناحر، وربما أسفر ذلك عن القتل، أو النفي والتشريد في الأرض، والتاريخ البشري حافل بآلاف النماذج التي تطلعت إلى الصدارة، وطلب الريادة، ولم تصل إلى مرادها، بل انتهت بها الحال إلى القتل، أو النفي والتشريد في الأرض.

ب- آثار التطلع إلى الصدارة على العمل الإسلامي:

كثرة التكاليف، وطول الطريق: ذلك أن صفًا يحوي في طياته متطلعين إلى الصدارة، وطالبين للريادة، لا يمكن أن يستقيم أبدًا، وأنّى لهذا الصف أن يستقيم، وفيه من أغرتهم الدنيا بزخرفها، وبزيفها، وزهرتها وزينتها، ممثلًا ذلك في التطلع إلى المنصب، والتعلق به؟!

وإذا انتهى الأمر بصف إلى الاعوجاج، فإن نصر الله منه بعيد، إلا أن يكون ذلك مكرًا، واستدراجًا، وصدق الله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [40] { [سورة الحج] } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [7] [سورة محمد] . وقد فطن إلى ذلك سلف هذه الأمة، فكانوا إذا تأخر عليهم النصر، يردّون هذا التأخير إلى حب الدنيا، والتعلق بها، ثم يبادرون بالتوبة والرجوع إلى الله، فينزل عليهم نصره، والقصة التالية تصوير بديع لما فطن إليه هؤلاء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت