فهرس الكتاب

الصفحة 5614 من 27345

'لما أبطأ فتح مصر على عمرو بن العاص، كتب إلى عمر يستمده، فأمدّه بأربعة آلاف [تمام ثمانية آلاف] على كل ألف رجل منهم: رجل ، وكتب إليه: إني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل، رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقدام بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، واعلم أن معك اثني عشر ألفًا، ولا تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة.ولما وصل هذا المدد، وتأخر الفتح على عمر، كتب إلى عمرو: أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قومًا إلا بصدق نيّاتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما أعرف، إلا أن يكون غيّرهم ما غيّر غيرهم، فإذا أتاك كتابي، فاخطب الناس، وحضهم على قتال عدوهم، ورغّبهم في الصبر، والنية، وقدّم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعًا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزّوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة فيها، ووقت الإجابة، وليعجّ الناس إلى الله، ويسألوه النصر على عدوهم ...'

علاج التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة:

1-دوام النظر في السنة النبوية: فإن فيها تحذيرًا شديدًا من سؤال الولاية، أو تعلق القلب بها،بل فيها تصوير بليغ لتبعات وعواقب التقصير في هذا الأمر على نحو ما ذكرنا من قبل .

2-دوام التذكير بتبعات هذا الأمر، وعواقبه الدنيوية والأخروية:فإن الإنسان بفطرته ينسى، ولا علاج لهذا النسيان إلا بالتذكير، والتذكير الدائم، نزولًا على منهج القرآن الكريم: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [9] { [سورة الأعلى] } وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [55] [سورة الذاريات] .

3-التعويد على الطاعة، وهضم النفس منذ نعومة الأظفار:فإن ذلك له أثره فيما بعد، في خلع هذه الأمراض من القلب، والرضا بالحال التي يوضع فيها المسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ' رواه البخاري.

4-الرفق في المعاملة: فإنه ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه، وعليه فإن هذا الرفق سيعين على تخليص القلب من الصدارة، بل وحمد الله على المعافاة منها.

5-التذكير بسيرة السلف وموقفهم من الصدارة والريادة:فإن سيرتهم مليئة بكراهية هذا الأمر والنفور، والتحذير الشديد منه؛ تقديرًا لتبعاته وعواقبه:

فهذا أبو بكر رضي الله عنه يخطب في المسلمين بعد قبوله الخلافة قائلًا:' يا أيها الناس: إن كنتم ظننتم أني أخذت خلافتكم رغبة فيها، أو إرادة استئثار عليكم، وعلى المسلمين، فلا والذي نفسي بيده، ما أخذتها رغبة فيها، ولا استئثارًا عليكم، ولا على أحد من المسلمين، ولا حرصت عليها يومًا ولا ليلة قط، ولا سألت الله سرًا، ولا علانية، ولقد تقلدت أمرًا عظيمًا لا طاقة لي به إلا أن يعين الله، ولوددت أنها لأيّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن يعدل فيها، فهي إليكم ردّ، ولا بيعة لكم عندي، فادفعوا لمن أحببتم، فإنما أنا رجل منكم' .

ولما كان عمر في النّزع الأخير، جعل الأمر شورى في ستة من المسلمين، فأشار عليه المغيرة بن شعبة، بابنه عبد الله بن عمر، ليكون خليفة، فغضب عمر، ورد عليه قائلًا:' قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، لا أرب لنا في أموركم، وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرًا؛ فقد أصبنا منه، وإن كان شرًا؛ فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافًا لا وزر، ولا أجر إني لسعيد'.

ولما ولي عمر بن العزيز الخلافة، جاءه صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة، على عادته مع الخلفاء قبله، فقال له عمر:' مالي ولك؟ تنحّ عني، إنما أنا رجل من المسلمين' ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع الناس إليه، فقال:' أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم، ولأمركم من تريدون' فصاح المسلمون صيحة واحدة: قد اخترناك لأنفسنا، ولأمرنا، ورضينا كلنا بك ... إلى غير ذلك من الأخبار المشحونة بها كتب التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت