ثم لنفترض أن كوارث كبيرة وقعت أودت بحياة مئات الألوف من الناس في مدة وجيزة كما حدث في هيروشيما، وكانت نار الحرب التقليدية إبان ذلك تلتهم الجمَّ الغفير من الناس كل يوم إضافة إلى من يموت حتف أنفه، وكما حدث في زلزال آسيا أواخر عام 2004 عندما اندفعت أمواج الساحل فأزهقت أرواح مئات آلاف البشر والحيوانات في وقت قصير جدًا، فأين انتقلت أرواح هؤلاء الموتى وهنا يجيب من يجيزون انتقال الأرواح إلى غير أنواع أجسادها التي فارقت بأنها انتقلت إلى أجساد إنسانية أو حيوانية غير التي كانت فيها.
والخلل بين في الجواب ففي مثل حالة إلقاء القنبلة الذرية يعم الموت الإنسان والحيوان ولا ينفع التناسخيين قولهم إن الأرض واسعة والتوازن والتكامل ليسا محصورين في رقعة صغيرة منها. فهذا مردود بأنه من غير المألوف ارتفاع عدد الولادات أو الحمل فجأة في عالمي الإنسان والحيوان في الأرض بمقدار كبير يستوعب الأعداد الهائلة من الأرواح المفارقة لأجسادها في مثل هذه الحالات.
طوفان نوح:
ونتابع فنقول إن دراسة طبقات الأرض التي أجريت في القرن العشرين أثبتت أن الطوفان قد عم الأرض كلها في فترة من الفترات ومن أراد التأكد فليرجع إلى تلك الدراسات وهذا ما قرره الإسلام والديانات السابقة، فكيف أمكن تحقيق التوازن حينئذ؟ في الوقت الذي هلك فيه معظم الإنسان والحيوان. أما الأسماك فقد كانت موجودة من قبل ولا تستطيع أن تتكاثر في يوم أو يومين تكاثرًا يفي بالغرض ويلبي الحاجة الناشئة. فإن قالوا: لا مانع من بقاء الأرواح مسلولة من أغماد الأجساد إلى حين، ريثما يتاح لها جسد تتغلغل فيه. قلنا: ما دام قد جاز هذا التجرد عن الجسد مدة من الزمن فهو إذن ممكن غير مستحيل ولا فرق في بقاء الروح طليقة من قفص الجسد بين المدة القصيرة والمدة الطويلة.
ومن المفيد الإشارة إلى أن نظرية التوازن هذه مبنية في رأي بعضهم على نظرية أخرى هي ثبات عدد الأرواح مطلقًا وهذا رأي لا يمكن إثباته فالشرع لم يرد بذلك، والعلم لم يستطع تحديد طبيعة الروح وهذا يجعله عاجزًا عن مراقبتها وعن القيام بعملية إحصاء لها.
نعيم هو سبب للعذاب:
ولنا سؤال نطرحه على الذين قالوا إن التناسخ إنما هو على سبيل العقاب والثواب وهو: إذا كانت حياة الإنسان الحالية جزاءً حسنًا على حياة قضاها بالتقى والصلاح إذ إن ظهوره في صورة إنسانية دليل على هذا أفلا يمكن أن تصدر منه في حياته الحالية مخالفات وإساءات؟ والجواب إما بالإثبات أو بالنفي لا محالة.
فإن كان بالإثبات فههنا إشكال كبير. إذ كيف تكون هذه الحياة التي هي نعيم باعتبارها جزاء حسنًا لحياة سابقة فاضلة، كيف تكون متضمنة لأسبابِ عقاب يأتي في حياة مقبلة وذلك إذا عصى وخالف؟ وهل يكون الإنسان في نعيم بينما هو يتورط من حيث لا يدري في أسباب شقاء سيلحقه وهو في غفلة عن ذلك؟
وإن كان الجوابُ بالنفي فالإشكال قائم أيضًا. لأن معنى هذا أن الإنسان إذا أحسن في حياته الأولى فسيبقى محسنًا على الدوام ما دام صدور الإساءة منه في حياة تالية غير ممكن لكن هذا المنع مردود بقوله صلى الله عليه وسلم (كل بني آدم خطاء) وبالمشاهدة التي تؤكد عدم خلو إنسان من الخطأ والزلل.
هل تنتقل الروح من جسد إلى آخر بما تحويه من علوم ومعارف؟
وما رأي التناسخيين عمومًا بعالمٍ واسعِ الإطلاع على فنون العلم المختلفة يموتُ ثم تنتقلُ روحه في زعمهم إلى إنسان آخر. هل يصافح المولودُ الجديدُ الذي انتقلت إليه وحلت فيه روح هذا العالم الكبير الحياة بذلك العلم الغزير لأن روحه مشبعة بتلك المعارف والعلوم التي اكتسبتها لما كانت رهينة هيكل بشري سابق. ونحن نلاحظ أنه ما من مولود يأتي إلى الدنيا بهذه الصفة. (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعملون شيئًا) .
ولا عبرة بما حصل من خوارق العادات كالكلام في المهد فإن له شأنًا لا يخفى على أرباب العلم والفهم، إذ أنه يدخل في باب الخوارق وهو محصور في أضيق نطاق وأقل عدد خلال عمر الدنيا الطويل المديد.
وبعد تفنيد ما تشبث به التناسخيون من حجج نقرر بصوت الحق العالي أن الروح بعد مفارقتها جسدها لا تعود في الدنيا إلى جسد آخر البتة وليس هناك دليل من عقل أو نقل على عودها إنما هو الهوى يعصف بهؤلاء الباطنيين وهو الحقد الدفين الذي يدفعهم إلى الكيد للإسلام فيدعون الانتساب إليه ليتاح لهم القيام بالتخريب من الداخل،ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
سؤال يوجه إلى الدهريين:
ولئن كانت الردود السابقة تشمل مَن ينتسب إلى الإسلام من التناسخيين وتشمل الدهريين منهم على حد سواء فإن ثمة كلامًا يوجه إلى الدهريين خاصة، وهو: كيف يتم اختيار الروح لجسدها ما دمتم لا تؤمنون بوجود خالق يوجهها ويسوقها. وما هي الأسس التي يتم على ضوئها امتزاج روحٍ ما بجسد ما. وما من شك أن هؤلاء عاجزون عن استغلال العلم في الإجابة على هذا السؤال. ولا قيمة للخرص والتخمين في مثل هذا الأمر الخطير.
النتيجة: