فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إننا نطالب أن تكون التربية متكاملة، وأن تكون متوازنة في الوقت نفسه، سواء على مستوى الأفراد أو على المجتمع ككل. وحين نطالب بذلك فإن الذي يدعونا إلى هذا الأمر مسوغات عدة:
طبيعة الأنسان
فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بجوانب كثيرة متنوعة (جسم، وعقل، ومشاعر…) وحينئذ فالمنهج التربوي الذي يريد أن يرقى بهذا الإنسان ينبغي أن يكون متوافقًا مع فطرة هذا المرء، ولهذا صار أي تشريع للبشر من غير المصدر الشرعي محكومًا عليه بالفشل والبوار؛ لأنه تشريع صادر من البشر والله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلقهم [ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ] وغالبًا ما ترى تشريعات البشر وآراءهم تأخذ جانبًا على حساب جانب آخر، وغالبًا ما تخل بهذا التكامل أو هذا التوازن في شخصية المرء، إذن فالتكامل والتوازن هو الذي يتوافق أصلًا مع خلق الإنسان ومع فطرته التي فطره الله عليها.
ولأضرب على ذلك مثلًا .. إننا حين نربي الناس على الخضوع وعلى التسليم لكل الآراء التي تطرح عليهم أيا كان مصدرها، ونطلب من الناس أن يعطلوا عقولهم، وألاّ يفكروا مطلقًا فيما يُقال لهم، إننا حينئذ نعطل هذا العقل الذي خلقه الله - عز وجل - له، وما خلقه الله - سبحانه وتعالى - إلا لحكمة، ولو كانت أمور الناس تستقيم على التقليد والتبعية لخلق الله - عز وجل - لنخبة من الناس عقولًا دون عقول سائر الناس حتى يخضع بعضهم لبعض ويكونوا تابعين لغيرهم.
أما وقد خلق الله العقول للناس جميعًا فهذا يعني أن تربى العقول، وهذا يعني أن يربى الناس على أن يستخدموا عقولهم ويحكّموا عقولهم داخل الدائرة الشرعية التي لا تخرجهم عن حدودها. وأي تربية تسعى إلى تكتيم حريات الناس وعقولهم وتفكيرهم فإنها تعارض الفطرة، وأي منهج يخالف الفطرة فإنه يحمل بين طياته الهلاك والبوار.
وحين نأخذ منهجًا تربويًّا يتعامل مع جانب العقل والمعرفة وحدها ويغفل عن جانب الوجدان في نفس الإنسان، يعيش في تناقض يحكم عليه بالفشل والبوار، كما هو الحال في المجتمعات الغربية المعاصرة، وقل مثل ذلك في أي منهج يتعامل مع جانب واحد من جوانب الإنسان.
التوازن والتكامل سنة الله في الحياة
فالجنون مثلًا نتيجة لعدم توازن القدرات العقلية والحسية ولهذا يقال عن المجنون:"إنسان غير موزون"،"والصرع العضوي من أسباب زيادة الكهرباء في دماغ الإنسان"،"وفقر الدم أو ضعفه يحصل عن عدم توازن كريات الدم الحمراء والبيضاء في الدم"،"ثم إن زيادة سائل الأذن قد يتسبب في حالة إغماء لدى الإنسان"،"كما يتسبب ضغط العين أو القلب على انعكاسات صعبة خطيرة". هذه بعض النتائج التي يخلّفها عدم التوازن في الكائن البشري، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى على ذلك.
أما عدم التوازن في الكون والحياة فهي أكثر من أن تحصى .."إن تغير نسبة الأكسجين في الهواء تجعله ملوثًا وقد تجعله سمًّا قاتلًا"،"وتغير المعادلة المتوازنة في دوران الأرض والشمس والأفلاك ينتج عنه كثيرٌ من الأمور أقلها اختلال نظام الليل والنهار، وتعاقب الفصول وما يؤدي ذلك من أضرار على الإنسان والحيوان والنبات وعلى الحياة بكاملها".
وما يصنعه الإنسان من آلات وما يشترون من بنايات فجميعه محكومٌ بقاعدة التوازن وأي خلل في المقادير والمعايير يتسبب بنتائج خطيرة ومأساوية.
وجوانب الشخص نفسها حين لا تكون متوازنة ولا متناسقة فإنها تخرج إنسانًا غير متناسق، فجمال الوجه - مثلًا - به توازن نسبي بين حجم الأنف والعينين والفم والرأس؛ بحيث لو اضطربت هذه النسب لكانت صورة مشوهة هزيلة أو ناقصة، وقيمة الطعام تكمن في مختلف عناصره الرئيسة بحيث تتحقق النسبة المتوازنة لسلامة الجسم من مختلف الدهون والسكريات والفيتامينات والأملاح والمعادن .. إلى غير ذلك، والحديث في هذا يطول.
والإخلال بالتوازن حتى في المظهر الجمالي أمر يدعو الناس إلى النفور؛ فحين يسعى الإنسان لتجميل منزله فيبالغ فيه أو يجعله بصورة غير متوازنة يصبح أمرًا مرفوضًا.
وتقرأ في كتاب الله - عز وجل - الحديث عن هذا الكون وأنه محكوم بهذه السنة، قال تعالى: [وخلق كل شيء فقدَّره تقديرا] ويقول [ إنا كل شيء خلقناه بقدر ] [ ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه] [لاالشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون] [الذي خلق سبع سماوات طباقًا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور* ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير ] .
الشرع قائم على الوسطية والتكامل
إن شرْع الله - عز وجل - قائم على الوسطية في كل الأمور: الوسط في الاعتقاد، الوسط في العبادة، الوسط في السلوك، فشرْع الله - عز وجل - قائم على هذه القاعدة .