فهرس الكتاب

الصفحة 5850 من 27345

وهو كذلك تبدو فيه ظاهرة التكامل معلمًا بارزًا فما من مجال من مجالات الحياة إلا وللشرع فيه حُكم، فإنك ترى للشرع حُكمًا في معتقد الإنسان، وترى للشرع حُكمًا في تعامل الإنسان مع غيره، وترى للشرع حُكمًا في عبادة الإنسان، ترى له حُكمًا في سلوكه، وترى له حُكمًا في أخلاقه، وفي الاقتصاد والسياسة وحياة الناس الاجتماعية وعلاقاتهم…. إنك لا تجد بابًا من أبواب الحياة إلاّ وفيه حُكم واضح للشرع، وهذا يعني أننا أمام شرع متكامل.

إذًا حينما نريد أن نربي الناس على هذا الشرع ينبغي أن نربيهم تربية متكاملة ومتوازنة؛ ولهذا أنكر الله على بني إسرائيل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض: [ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ] ، [ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا * أولئك هم الكافرون حقًا ] .

ومن إعجاز القرآن أن حذَّر الله - سبحانه وتعالى - نبيه من صورة نراها في واقعنا فحين أمر الله نبيه أن يحكم بشرع الله قال بعد ذلك: [ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ] وكأن هذه الآية تنطق بواقع القرون المتأخرة، وأن هناك من يساوم على بعض شرع الله فيأخذ بعض شرع الله ويرفض بعضه، فينادي بالاحتكام إلى شرع الله - عز وجل - في باب من أبواب الحياة، ويرفض بعد ذلك سائر الأبواب.

إن هذا دليل على أن هذا الشرع جاء للحياة كلها، وهذا يعني أن أي منهج تربوي يريد تربية الناس على خلاف هذا المنهج فهو منهج غير متكامل وغير متوازن، ومعارض لهذه القاعدة الشرعية التي لا تنخرم وتراها في كل حكم شرعي في سائر أبواب الحياة .

كثرة التحديات التي تواجه الأمة

الأمة الإسلامية تواجه تحديًا تربويًّا من أبواب شتى؛ فالشباب يعانون من تخطيط ماكر وغزو مدبر، وكذلك الرجال والنساء، والصغير والكبير بل حتى الطفل المسلم تُعد له أفلامٌ وتُكتب له قصصٌ ومجلاّت يقصد منها تربيته تربية تحرفه عن المنهج الشرعي.

وحياة الناس في عقيدتهم، وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها تحديات؛ فنحن نواجه تحديًا شاملًا، تحديًا متكاملًا في جوانب الحياة كلها؛ لخلع الأمة عن دينها ثم تربيتها على غير شرع الله - عز وجل -؛ فالتربية التي تهدف إلى إنقاذ جيل الأمة، والوقوف في وجه هذا التيار الوافد ما لم تكن آخذةً بالتكامل والتوازن فإنها حينئذٍ لن تكون مؤهلة للمواجهة، ولن تكون مؤهلة لصدّ هذا السيل الجارف من الغزو الذي تواجَه به الأمة .

من صور التكامل والتوازن في المجال الفردي

إننا لا نستطيع أن نأتي على جميع ما نريد فلعلنا نقتصر على بعض النماذج على المستوى الفردي وعلى مستوى المجتمع كله .

أولًا: في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه

إن من التكامل والتوازن في التربية هو أن يُربَّى الفرد على التوازن في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه؛ فالغلو صفة ممقوتة مرذولة بالعقل ويأباها ويرفضها الشرع، والإهمال والتجاوب مع رغبات النفس وشهواتها لا يسوغ أن تكون بديلًا للغلو [ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا ] ، [ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ] .

إننا حين نربي أبناءنا على الفوضى والتساهل في الأحكام الشرعية والتفلّت منها، فإننا نربيهم تربية غير متوازنة تربية متطرفة إلى جانب دون جانب، وإننا حين نربيهم على الغلو والمبالغة فإنها هي أيضًا تربية غير متوازنة.

إننا كثيرًا ما نسمع الشكوى من أن الابن يواجه - مثلًا - التعويق من أبيه وهو يدعوه إلى التجاوب مع شهواته، يدعوه إلى التجاوب مع التقصير والإهمال بل نرى الأب وللأسف يحض ابنه على التقصير في الصلاة، والتهاون فيها، فيما نرى الأب أحيانًا يدعو ابنته إلى الزهد في الحجاب والعفاف والفضيلة. إنها تربية غير متوازنة، تربية متطرفة، تربية تخل بهذا المبدأ، تخل بهذه الوسطية التي جاء عليها شرع الله - عز وجل - .

ثانيًا: التكامل والتوازن في تربية ومحتوى الشخصية

إن التربية التي نطالب بها الأبوين لابنهما ليست أمرُه بالصلاة فقط، ونهيه عن سائر الأخلاق السيئة فقط، وإن كان هذا أساسًا ومبدأً هامًا من مبادئ التربية، فالتربية السليمة لابد أن ترعى صحة الابن، إنه لا يسوغ أبدًا أن تهمل الأم ابنها أو طفلها الصغير أو طفلتها تجاوبًا مع داعي النوم الذي يدعوها للراحة، ولا يسوغ أبدًا أن تكون المكالمات الهاتفية والحديث مع بنات جنسها مدعاةً لانشغالها عن صبيتها ورعايتهم، والأب كذلك هو الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت