2-الحرمان من العون والتأييد الإلهي: ذلك أن الحق سبحانه مضت سنته أنه لا يعطي عونه وتأييده، إلا لمن هضموا نفوسهم حتى استخرجوا حظ الشيطان من نفوسهم، بل حظ نفوسهم من نفوسهم، والمتكبرون قوم كبرت نفوسهم، ومن كانت هذه صفته، فلا حق له في عون أو تأييد إلهي. ولعل ذلك هو المفهوم من قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [123] { [سورة آل عمران] حيث ربط نصره لهم، بحالهم التي كانوا عليها: من المسكنة، والتواضع، وهضم النفس، وكأن هذه الحال إذا انعدمت، أو غابت؛ غاب معها العون والتأييد.
علاج التكبّر:
1-تذكير النفس بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر: سواءً أكانت عواقب ذاتية، أو متصلة بالعمل الإسلامي، وسواءً أكانت دنيوية، أو أخروية على النحو الذي قدمنا، فلعل هذا التذكير يحرك النفس من داخلها، ويحملها على أن تتوب، وتتدارك أمرها قبل ضياع العمر، وفوات الأوان.
2-عيادة المرضى، ومشاهدة المحتضرين، وأهل البلاء، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور: فلعل ذلك أيضًا يحركه من داخله، ويجعله يرجع إلى ربه بالإخبات والتواضع.
3-الانسلاخ من صحبة المتكبرين، والارتماء في أحضان المتواضعين المخبتين: فربما تعكس هذه الصحبة بمرور الأيام شعاعها عليه، فيعود له سناه، وضياؤه الفطري كما كان عند ولادته.
4-مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم، وذوي العاهات منهم: بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم، كما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وكثير من السلف، فإن هذا مما يهذب النفس، ويجعلها تقلع عن غيها، وتعود إلى رشدها.
5-التفكر في النفس وفي الكون، بل وفي كل النعم التي تحيط به من أعلاه إلى أدناه: من مصدر ذلك كله؟ ومن ممسكه؟ وبأي شيء استحقه العباد؟ وكيف تكون حاله لو سلبت منه نعمة واحدة، فضلا عن باقي النعم؟ فإن ذلك التفكر لو كانت معه جدية، يحرك النفس، ويجعلها تشعر بخطر ما هي فيه، إن لم تبادر بالتوبة والرجوع إلى ربها.
6-النظر في سير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبي جهل، إلى أيى بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين المجرمين، في كل العصور والبيئات، فإن ذلك مما يخوف النفس، ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير. وكتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وكتب التراجم والتاريخ، خير ما يعين على ذلك.
7-حضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون لا سيما مجالس التذكير والتزكية: فإن هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترق وتلين، وتعود إليها الحياة من جديد.
8-حمل النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس: ممارسة ذاتية - مادامت مشروعة- كأن يقوم هذا المتكبر بشراء طعامه، وشرابه، وسائر ما يلزمه بنفسه، ويحرص على حمله، والمشي به بين الناس، حتى لو كان له خادم، على نحو ما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، والسلف، فإن هذا يساعد كثيرًا في تهذيب النفس وتأديبها، والرجوع بها إلى سيرتها الأولى الفطرية، بعيدًا عن أي التواء، أو اعوجاج .
9-الاعتذار لمن تعالى وتطاول عليهم بسخرية أو استهزاء: بل ووضع الخد على التراب وإلصاقه به، وتمكينه من القصاص، على نحو ما صنع أبو ذر مع بلال لما عاب عليه النبي صلى الله عليه وسلم تعييره بسواد أمه.
10-إظهار الآخرين نعمة الله عليهم، وتحدثهم بها لا سيّما أمام المستكبرين: لعلهم يثوبون إلى رشدهم وصوابهم، ويتوبون ويرجعون إلى ربهم، قبل أن يأتيهم أمر الله .
11-التذكير دوما بمعايير التفاضل والتقدم في الإسلام: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [13] [سورة الحجرات] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ] رواه أبوداود والترمذي وأحمد-واللفظ له- .
12-المواظبة على الطاعات: فإنها إذا واظب عليها، وكانت متقنة لا يراد بها إلا وجه الله؛ طهرت النفس من كل الرذائل، بل زكتها وسمت بها إلى أعلى عليين: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [97] [سورة النحل] .
13-محاسبة النفس أولا بأول: بحيث يعرف صاحب هذا الداء الحدّ الذي انتهى إليه في علاجه، وما فيه من نجاح أو قصور، فينقى نواحي النجاح، ويتدارك نواحي القصور.