فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 27345

ومن بعدها تفشت تيارات التغريب في البلاد الإسلامية، ودعوا إلى أن يسير المسلمون سيرة الغربيين ويسلكوا مسلكهم في حياتهم بالفكر الغربي بكل نظمه وتقاليده وعاداته وتصوراته، وعمدت تلك التيارات إلى زعزعة الثقة بين الشباب المسلم في دينهم، والزعم بأنَّ تخلف المسلمين من جراء اعتقاداتهم البالية، فركزوا جهودهم في تفريغ العقل والقلب المسلم من القيم الإسلامية المستمدة من التوحيد والإيمان بالله، ودفع هذه القلوب عارية أمام عاصفة هوجاء تحمل معها السموم عن طريق التعليم والصحافة والكتابة، والسينما والمسرح وبيوت الأزياء، وللأسف نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، ومن ثمَّ خرج هذا الجيل المنهزم نفسيًا، والذي حمل معول الهدم في صرح المجتمع الإسلامي، وسار بالأمة تحت شعارات فارغة كالتقدم والمدنية والحضارة، ولا هي تقدمت ولا هي تمدنت وإنَّما صارت بلا هوية، فلا دين ولا ثقافة ولا علم، وإنَّما تبعية للغرب الكافر .

انتشار العقائد الفاسدة على يد المبتدعة:فمن ذلك: انتشار' عقيدة الجبر' رغم بعدها عن عقيدة الإسلام الصافية، وكان انتشار هذه الفكرة بين المسلمين في عصور الانحطاط والبعد عن صفاء الاعتقاد الذي كان عهد السلف الصالح، وأدى ذلك لإشاعة روح التواكل والكسل، والقعود عن العمل، وأنت لا زلت تسمع من عامة النَّاس: أننا مسيرون لا مخيرون .

ومن ذلك: انحراف التصوف ونشره للبدع، لاسيما في عصر التصوف الفلسفي ورواج مذاهب ' وحدة الوجود ' و ' الحلول والاتحاد ' و'فكرة الظاهر والباطن ' و'إسقاط التكاليف الشرعية ' وهي الأفكار التي لا زال كثير من المسلمين يؤمن بها، فأنت تراهم يصورون الحلاج المقتول ردة على أنَّه شهيد الاستبداد، ولا زالوا يعظمون من قدر شخص كابن عربي القائل بوحدة الوجود، ويرى الساسة إلى يومنا هذا أنَّ الصوفية أفضل التيارات والاتجاهات الإسلامية لأنَّها تدعو إلى التعامل مع الأحداث بسلبية، وتدعو للتواكل، وعلى كلٍ فقد نبتت البدع والخرافات، وظهرت الطرق الصوفية التي انحدرت إلى هوة سحيقة، ولا تزال البلاد الإسلامية تشهد أنواعًا من الشرك العلني بتعظيم قبور الصالحين، والتوسل إليهم، وشد الرحال إلى قبورهم .

انتشار الجدل الكلامي: فمع ظهور الفرق كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية ونحوهم، دار جدل كبير حول مسائل الاعتقاد، شغل المسلمين بمشاكل عقدية مزعومة، وصار هناك من يرى أنَّ عقيدة السلف أسلم وعقيدة الخلف أعلم!

انحراف رجال الدين وانفصام العمل عن العلم: الأمر الذي أذاع روح الشك في صدور كثير من المسلمين، وجعلهم يعيدون النظر في كل شيء،حتى في معتقداتهم، فقد ظهر بين علماء المسلمين من يقول ما لا يفعل، ومن صار الدين عنده كجملة الصناعات التي يتكسب من ورائها، فانحرفوا عن روح الإسلام، وفصلوا بين العقيدة والعمل، وانصرفوا إلى الجدل، والمناقشة في الجزئيات والفروع، وتملق الولاة والحكام، وجعلوا الدين مطية للدنيا .

القهر واستبداد بعض الحكام: لا شك أنَّ الضرب بيد من حديد للاتجاهات الدينية كان من شأنه الحيلولة بين كثير ممن يودون الالتزام بشريعة الإسلام وبين دينهم، فتربى الكثير على المداهنة، وإيثار السلامة، والخوف من كل ما سوى الله، وركب آخرون الموجة فباع دينه موالاة للطغاة، ويوالى أعداء الله تعالى، ويتأول الدين لأهواء الأمراء، ومن شأن هذا أن يحدث خللا عميقًا في البناء الاعتقادي للمجتمع، لأنَّ اليقين يتزعزع.

هذا غيض من فيض من جملة الأسباب التي تسببت في إحداث الخلل في البناء الاعتقادي للأمة الإسلامية .

الأمل المنشود في إعادة البناء الاعتقادي السليم: نحتاج أنْ يوجد فينا 'رجل العقيدة' الشامخ بأنفه، المعتز بانتمائه لهذا الدين، الذي يعمل له آناء الليل وأطراف النهار، وإيجاد هذا النموذج الفريد يحتاج منَّا أن نعود للنبع الصافي الذي كان: عصر النبوة والخلافة الراشدة، ونربي أجيالنا القادمة كما ربى النبي أصحابه، نزرع فيهم اليقين برب العالمين، والعزة بهذا الدين، وننصب أمام أعينهم نماذج الأسوة والقدوة من سلفنا الصالح، نحصنهم بكتاب الله تعالى قراءة وحفظًا ومدارسة وتدبرًا، نجعل معينهم الذي لا ينضب من مشكاة سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، نعلمهم حب النبي و الصحابة، نربط قلوبهم استعانة وتوكلًا على الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت