فهرس الكتاب

الصفحة 5867 من 27345

فلو تصورنا بنكًا مركزيا لدولة ما (لما يجده من القبول) أصدر شهادات اشتراك في شبكة كهذه تدر دخلًا متدفقًا مثله، يحفز فيه السابق مما يدفعه اللاحق دون أن تتوسط سلعة للقي قبولًا ولتكالب الناس طمعًا فيما يتولد عنه من دخل.

التكييف الفقهي:

فإذا توصلنا لهذا فإن المنتج أيًا كان يسقط عند النظر في التكيف الفقهي لهذه النازلة فالحكم يبنى على المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني إذ الأمور بمقاصدها في الشرع الحنيف.

وبتجريد التسويق الشبكي من كل منتج تلبّس به يبدو عاريًا، ويغدو الأمر ليس سوى تجميع اشتراكات من أفراد تديره الشركة يدفع فيه الشخص في أسفل الهرم لمن سبقه في أعلى الهرم بالإضافة لعمولة الشركة نظير إدارتها لهذا العمل.

ومن ثم يتضح جوهر هذه العملية في كونها حلقات مقامرة، مال المقامرة فيه مضمن في سلعة ومدسوس في ثمنها (مال المقامرة في جولدكويست هو الفرق بين ثمن المثل للمنتج وثمنه في الشركة) .

حلبات المقامرة في جولدكويست متداخلة في حلقات قمار غير منتهية. الرابح فيها هو السابق في الشبكة يتدفق إليه تيار من الدخل يبدو غير منتاهي بقدر اتساع شبكته من الأفراد المغرر بهم. الخاسر فيها القاعدة المتلهية بالأمل في الصعود ونمو شبكتها بالمزيد من المغرر بهم ممن يحدوهم الأمل في الكسب الرخيص دون عمل منتج فهي في جوهرها تتفق مع لعبة (البنتاجونو) مع الاختلاف في الحافز، ففي البنتاجونو يحقق قمة الهرم كسبه غير المشروع مرة واحدة ويخرج بذلك من اللعبة ليحل محله ثلاثة غيره مشكلًا كلًا منهم هرمًا منفصلًا وهكذا تتوالى. فحلقات القمار في البنتاجونو تتفكك من أعلى وتتسع من أسفل في شكل هرمي تتفرع منه كل ما اتسع عدة أهرامات وهكذا في صورة غير متناهية.

أما الجولدكويست فالهرم فيها واحد يقبل الزيادة والأتساع في قاعدته دون أن يفقد صاحب القمة مركزه ودخله ومن ثم فإن دخله ينمو ما بقيت اللعبة مستمرة فإذا توقفت خسرت القاعدة وغنمت القمة وهذا هو معنى القمار.

-فضلًا عن ذلك فإن نظام الشركة يشتمل على عدة مخالفات شرعية أخرى (على فرض أن السلعة مقصودة ) تتمثل في الأتي:

1.يشمل عقد الشركة على عقدين في عقد فالشركة تشترط لدخول الشخص في الشبكة ونظام التسويق شراء المنتج هو شرط في ذلك (في بعض الصور يجوز الدخول في شبكة التسويق دون الشراء العاجل للمنتج ولكنه لا يعتمد العميل في هذه الحالة بصورة رسمية ببرنامج الحوافز إلا بعد شرائه المنتج أي أن البيع يتم بثمن مؤجل) .

فيكون العقد الأول هو عقد التسويق الموجب للعمولة والعقد الثاني هو بيع المنتج عاجلًا كان بثمن معجل أو مؤجل ومن ثم يطاله الخلاف الفقهي في الحكم البيعتين في بيعة.

2.نظام الشركة وشروطها يجعلانها تحقق مكسبًا من عمل الكثيرين من العملاء دون إن تدفع لهم شيئًا نظير وهذا واضح في عدة صور سبق بيانها وهذا ظلم لا يجوز حيث استفادت الشركة من جهدهم في تسويق منتجاتها، والعدل يقتضي أن تدفع لهم مقابل ذلك وهذه مخالفة تؤخذ على العقد سواء كيّف على كونه إجارة أو جعالة. أما كونه إجارة (وهو الأقرب) فالأمر واضح فالأجير له حظ في أي جهد بذلة حقق نفعًا للمؤجر وفق عقد الإجارة فيكون لهم عمولة على أي منتج سوّقوه.

وإن قلنا إنه جعالة فإنه يشترط في الجعالة عدم استفادة الجاعل من جزء عمل العامل ومع هذا فقد أوجب جمهور العلماء حقًا للعامل في الجعالة إن انتفع بجزء عمله صاحب الجعالة. قال أصبغ: سؤال ابن القاسم عمن قال من يحفر لي بئرًا طولها كذا وكذا وعرضها كذا وكذا فحفر رجل نصف ذلك, ثم يعتل. قال:"لا أرى له حقًا إلا أن ينتفع بها صاحبها".

قال محمد بن رشد في هذه المسألة:"يكون للمجعول له فيما حفر من البئر إذا انتفع بذلك صاحبها قدر ما عمل مما انتفع به" [البيان والتحصيل ج8 ص 511] .

وعند الشافعية"لو قال العاقد: من رد جمليَّ المفقودين فله دينار ورد العامل واحدًا من الجملين استحق نصف دينار لأنه أنجز نصف العمل المراد" [المهذب ج1 ص 412، مغني المحتاج ج2 ص 432] .

وجاء في الإنصاف في فقه الحنابلة:"أو قال من رد عبديَّ فرد أحدهما فله نصف الجعل" [الإنصاف ج6 باب الجعالة مسألة 389 (جامع الفقه) ] .

ومن ثم فإنه (على فرض صحة المعاملة في أساسها) يجب أن يكافأ كل متسوق على قدر جهده أي أن تدفع الشركة عن كل منتج يسوّق أربعين دولارًا (عمولة الشركة عن كل عشرة 400 دولار) دون أن تضع حدًا أدنى لاستحقاق الجعل أو حدًا أعلى يسقط بعده حق العامل في العمولة.

3.في بعض صور هذه المعاملة يتم بيع المنتج الذهبي بتقسيط الثمن مما يدخل المعاملة في ربا النَّساء المنهي عنه.

4.وفي بعض صورها أيضًا يجوز الاشتراك والتعاقد مع الشركة دون دفع ثمن المنتج وحينئذ لا يسلم المنتج وغياب البديلين يدخل المعاملة في بعض صور الدَين بالدَين. فالأمر لا يخرج عن كونه وعد والوعد في الصرف لا ينشئ التزامًا ولا يشغل ذمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت