تختلف مجتمعات المسلمين وتتفاوت في مدى التزامها الشرعي، ومدى انتشار المخالفات والمنكرات، وقد يعيش بعض الناس في بيئة ومجتمع أكثر محافظة من غيره، فيقارن دوما بين مجتمعه وسائر المجتمعات، ويحتج على من يطالبه بالإصلاح والدعوة بأن واقع مجتمعه خير من واقع غيره من المجتمعات.
إن المعيار الذي ينبغي أن نحتكم إليه هو المعيار الشرعي وليس الواقع، وقياسنا لتدين المجتمع يجب أن نعرفه من خلال الفارق بين الواقع وبين الصورة الشرعية المطلوبة من المجتمع.
وستبقى معظم المجتمعات المسلمة تجد نموذجا أسوأ منها في التدين والمحافظة، بل ربما تجد من يقارن بين مجتمعات المسلمين وغير المسلمين.
الأسلوب الثالث: تضخيم الانحراف والفساد
في مقابل من لا ينظر إلا إلى الصور المشرقة المضيئة في المجتمع هناك من ينظر إلى الصور السوداء القاتمة، وحين يثار الحديث حول الإصلاح والتغيير يحدثك عن ألوان الفساد والانحراف في المجتمع، ويقارنها بضآلة الجهود المبذولة في الإصلاح مع تهميش أثرها وتقليل جدواها، إنك حين تلقي موعظة على الناس فمن ينصت لك منهم؟ والذين ينصتون من يتأثر ويقتنع منهم؟ وحين ينصرفون فهم يرون في الواقع ألوانا من الصوارف والمؤثرات التي تمحو وتغسل أثر هذه الموعظة، وتعيدهم إلى ما كانوا عليه من قبل.
لكن اعتناء الناس بالقدر الذي يطيقونه ويستطيعون أداءه، والنظرة البعيدة التي تتجاوز حدود الزمن القريب سوف يدفعهم العمل والإصلاح رغم ما يرونه من ضخامة حجم الفساد، ومحدودية الطاقات والإمكانات التي يملكونها.
الأسلوب الرابع: الانشغال بالمصالح الخاصة
الصالحون والدعاة شأنهم شأن غيرهم من الناس لهم ارتباطات ومصالح خاصة: أسرية أو اجتماعية أو مصالح ترتبط بأعمالهم الوظيفية والمهنية.
وحين تتعارض بعض المطالب الدعوية مع المصالح والمشاغل الشخصية للمرء فقد يعتذر بها، وينطلق في ذلك من منطلقات شرعية كالقيام بحق الأهل والأولاد، أو الصلة...إلخ.
وحين نتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته نرى أنه كان لا يتخلف عن غزوة في سبيل الله عز وجل إلا سعيا للرفق بالمسلمين، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلاف سرية تغزو في سبيل الله".
كان يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم وعنده تسع نسوة كل منهن تطالبه بقدر من حقها.
وسار أصحابه على ذلك، فها هي قبورهم المتناثرة هنا وهناك، وها هي مشاهدهم في الغزو والجهاد والولاية والتعليم، هاهي تدل على عظم ما بذلوه، وقد كانوا بشرا كسائر البشر، لهم أهل وولدان، ولهم ضيعات وبساتين، بل كانت سبل الحياة والمعيشة في حقهم أصعب منها الآن.
إن أحدنا اليوم يستطيع السفر إلى منطقة أخرى والعودة في يومه دون أن يفقده أهله وجيرانه.
وحين ينتظر الإنسان أن يتفرغ من جميع مشاغله الخاصة فلن يتحقق له ذلك .
إننا لا ندعو أن يهمل الإنسان رعيته وأهل بيته، أو أن يتخلى عن مصالحه ومشاغله، لكننا ندعو إلى أن لا تكون هذه الأمور عائقا ومثبطا له عن واجبه الدعوي.
حين يسمع كثير من الناس الحديث عن الدعوة والإصلاح يتبادر إلى ذهنه صورة سامقة من النشاط والهمة الدعوية لا تتحقق إلا عند فئة محدودة من الناس.
ويقارن نفسه بهذه الصورة، فيرى أن الدعوة إلى الله منزلة ورتبة لم ولن يصل إليها، وحسبه أن يصلح نفسه.
ولئن كان التصدر للدعوة والقيادة والتعليم يتطلب قدرا من العلم والرسوخ والخبرة، فثمة مجالات دعوية عديدة يطبقها أفراد الناس وآحادهم.
وقد تيسرت اليوم وسائل وأساليب عدة تتيح لكثير من الناس أن يسهموا في الدعوة والإصلاح، وأن يتركوا أثرا يتجاوز حدود إمكاناتهم وقدراتهم.
وهذا كله يزيد من المسؤولية، ويقلل من فرص الاعتذار والتقاعس.
الأسلوب الخامس: تحميل المسئولية للآخرين
هناك من الناس من تكون سمته تحميل المسئولية للآخرين، فإنكار المنكرات العامة شأن الدعاة والعلماء البارزين، وتدريس العلم الشرعي شأن من نبغوا في العلم وتميزوا فيه، والمشروعات والبرامج الدعوية شأن المؤسسات الدعوية، وهكذا يوزع المسؤوليات على الآخرين ويصبح هو فردا عاديا غير مؤهل للقيام بأي مهمة، وحسبه إصلاح نفسه.
لقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم عموم المسؤولية على آحاد المسلمين بقوله:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول علن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والعبد راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته".
وعليه فالجميع مسئول وإن كانت المسئولية متفاوتة كل بحسبه فليس الطالب كالمعلم، وليس الفرد العادي كطالب العلم، ولكن تبقى المسئولية مشتركة بين الجميع.
الأسلوب السادس: الانشغال بالنقد عن العمل
كثيرا ما نسمع من ينتقد الجماعات الإسلامية والعالمين للإسلام والدعاة واللآمرين بالمعروف والنهي عن المنكر، فه تارة متعجلون، وتارة مختلفون ومتصارعون، وأخرى ليسوا على مستوى الأحداث والمهام المنتظرة منهم.