وحين تقارن بين انتقاد هؤلاء وبين واقعهم العملي ترى بونا شاسعًا
إن النقد يجيده الكثير، فحين يقوم متحدث أمام الناس فقد يُنتقد بأن صوته ضعيف لا يسمع من حوله، أو أنه لا ينطلق في حديثه، أو أنه لم يعد لموضوعه إعدادا مناسبًا.
لكن كثيرا من هؤلاء قد لا يستطيع إلقاء كلمة ولو بنصف مستوى إلقاء هذا المتحدث.
إننا لا نمانع من النقد الشرعي البناء، لكن النقد قد يكون في مصدره دفع المسؤولية عن النفس، فإن النفس تشعر بالتقصير حين ترى ما يقدمه الآخرون من جهد وعمل، فحين ينتقد الشخص عملهم وجهدهم يبقى في نظر نفسه سالما مما وقعوا فيه، لكنه ينسى أن سكوته وتقصيره قد يكون أشد من خطأ من عمل وأخطأ عن اجتهاد وحسن نية.
الأسلوب السابع: التفرغ لتحصيل العلم
لاشك أن العلم الشرعي مطلوب، وعودة الأمة إلى دينها ينبغي أن تكون قائمة على العلم الشرعي. وعليه فمن واجبنا علينا تفريغ جزء من أوقاتنا لتحصيل العلم الشرعي، ومن واجبنا دفع الشباب والناشئة إلى الاعتناء بالعلم وتحصيله.
لكن ذلك كله لا ينبغي أن يدعونا إلى إغفال ما سواه، أو اختزال حياة الناس فيه وحده دون سائر الواجبات الشرعية.
ولنا أن نتصور تخلي الأخيار من أهل الحسبة، أو العاملين في حقل الدعوة إلى الله عز وجل وتربية الشباب ورعايتهم، أو العاملين في المؤسسات الدعوية، لنا أن نتصور تخلي هؤلاء عن دورهم بحجة تفرغهم لتحصيل العلم الشرعي.
إن أول نتائج ذلك أن تؤول هذه الوظائف الشرعية إلى من يتعاملون معها على أنها مصدر للرزق ووسيلة للتكسب لا غير.
نعم هناك فئة من الناس لديهم نبوغ في العلم، وهمة في التحصيل، فشأن هؤلاء ليس كشأن غيرهم، وقد يكون انشغالهم بالعلم وتفرغهم له أولى من انشغالهم ببعض المهام الدعوية، لكن هذا لا يعفيهم من القيام بالمسؤوليات والأعمال الدعوية فيما تتسع له أوقاتهم ويحسنون من العمل.
والمقصود أن طلب العلم الشرعي عبادة ينبغي أن يراد بها وجه الله تعالى، وإعداد النفس للقيام بالمهام الشرعية، لا أن تكون عائقا للفرد ومثبطا له.
الأسلوب الثامن: الاعتذار بالتقصير والوقوع في المعاصي
يعتذر البعض بأن مظهره لا يؤهله للعمل لهذا الدين، أو أنه واقع في معاص وسيئات لم يطق الخلاص منها، فكيف يدعو وهو واقع فيها ومقارف لها؟
وهذا الاحتجاج ليس وليد عصرنا، فقد قال سعيد بن جبير رحمه الله: لو لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إلا من ليس فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى أحد عن منكر, فقال مالك رحمه الله تعالى: صدق، من ذا الذي ليس فيه شيء؟.
وقال الحسن البصري رحمه الله لأحدهم: عظ أصحابك. قال: أخاف أن أقول مالا أفعل. فقال له يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟. يود الشيطان لو أنه ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه أحد عن منكر .
وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم".
فلا يمكن أن يسلم أحد من الذنوب، حتى العلماء والدعاة كثيرا ما نسمعهم يعترفون بتقصيرهم وعدم رضاهم عن حالهم مع كونهم من أقل الناس تقصيرا، ولم يثنهم ذلك عن القيام بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
حمل البريد إلي رسالة من أحد الشباب يذكر عن نفسه أنه يقع في معصية، ثم يقول وكنت أنصح الناس عن ترك هذه المعصية، ثم أني لم أعد أفعل ذلك لخوفي من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، يوم يعض الظالم على يديه، وأحفظ قول الله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون.}
فتأمل كيف صنع الشيطان لهذا الرجل، وأقعده هذا الفهم الخاطئ عن القيام بواجب الدعوة والإصلاح، فإن خوفه الحقيقي من يوم القيامة هو الذي يدفعه للشعور بمسؤولية الدعوة.
وسلفنا الصالح مع أنهم أشد ورعا وأعمق فهما وأكثر إدراكا لنصوص الكتاب والسنة، لم يتركوا الدعوة إلى الله لمثل هذا الفهم.
الأسلوب التاسع: انتظار البطل القادم
من إفرازات الشعور بالهزيمة أن سيطرت على كثير من المسلمين عقدة انتظار البطل القادم، إنهم ينتظرون أن يأتي خليفة كعمر بن عبد العزيز، أو عالم كشيخ الإسلام ابن تيمية، أو قائد كصلاح الدين، فتنقلب الأمور رأسا على عقب.
إنه لو وجد هذا المنتظر فمن الذي يضمن بقاءه سليما معافى دون أن يلقى في غياهب السجون أو تناله ألوان من الاضطهاد والأذى.
وإن سلم من هذا كله ربما لم يسلم من ألسنة الناس.
والبطل لن يقود الأمة وحدة، ولن يغير الواقع بين عشية وضحاها.
ولئن كانت التجارب الفردية تحقق نجاحا متميزا فيما مضى، فتعقد الحياة اليوم قد فرض شروطا صارمة، وصار التغيير الفردي أكثر صعوبة مما مضى.
الأسلوب العاشر: الفهم الخاطئ لبعض النصوص الشرعية
يحتج بعض الناس احتاجا خاطئا ببعض النصوص الشرعية، ويضعونها في غير موضعها؛ فيقعدون بذلك عن القيام بالواجب والنهوض بالمسؤولية.
ومن ذلك قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) .