فهرس الكتاب

الصفحة 5915 من 27345

وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنكم تقرءون قول الله تعالى:"وذكر الآية السابقة"وتجعلونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده".

ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم"إذا رأيت شحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة"

يحتج هؤلاء بما سبق من النصوص وغيرها، وهي إما أن تكون على غير ماتأولوه أو تكون في أحوال خاصة، ويتركون سائر النصوص المحكمة الجلية.

الأسلوب الحادي عشر: الاكتفاء بالاعتراف بالتقصير

بعض الناس عندما يخاطب للعمل للدين والسير في ركب الدعاة إلى الله عز وجل يعترف بتقصيره ثم يسأل الله أن يتوب عليه ويغفر له.

إن الاعتراف بالتقصير ينبغي أن يتبعه عمل وإصلاح للنفس، وتهيئة لها للنهوض بهذا الواجب.

إن كثيرا من هؤلاء يحاسب نفسه على التقصير في نافلة من النوافل، أو الوقوع في شبهة من الشبه، لكنه يتجاوز هذا الواجب العظيم، والمسؤولية الكبيرة دون وقفة جادة أو محاسبة صادقة.

الأسلوب الثاني عشر: انتظار فتح المجال أو التكليف

ينتظر طائفة من الناس أن يتلقى تكليفا، أو يفتح له المجال ليشارك في ميدان من ميادين الدعوة، ويعتبر غياب ذلك مما يعفيه من المسؤولية.

إن طائفة من هؤلاء يحرص على التنصل من أي مهمة، والاعتذار من أي تكليف وإحالة الأمر إلى غيره، معتقدا أن ذلك سيعفيه من المسؤولية ويلقي الأمانة على غيره من الناس.

ولهؤلاء أعرض قصة لعبد الحميد بن باديس رحمه الله:-

حيث قال له الحاكم الفرنسي: إما أن تترك التعليم وإعطاؤك ما تعطيه تلاميذك وإلا أرسلت لك الجنود ليغلقوا المسجد. فقال له: لن تستطيع ذلك. قال: كيف؟. قال: إذا أتيت العرس ذكرت الناس المحتفلين، وإذا أتيت مجلسا فيه عزاء وعظتهم، وإذا ركبت في حافلة ذكرت المسافرين، قال: فنسجنك. قال: فإذا سجنتموني وعظت المسجونين. قال: فنقتلك. قال: وإذا قتلتموني التهبت مشاعر الناس وأولى بك ألا تواجه المسلمين في دينهم.

إن من المسلم الغيور يشعر أن فتح الأبواب، والبحث عن المجالات المناسبة للعمل من مسؤوليته، وأنه حتى لو أوصدت الأبواب أمامه فإن من مسؤوليته أن يسعى لفتحها، والبحث عن البدائل، فضلا عن أن ينتظر حتى تفتح له.

الأسلوب الثالث عشر: الاعتذار بعدم وجود الثمرة

تعوق عدم رؤية النتيجة طائفة من الناس عن الدعوة والشعور بالمسؤولية، ويرون أن الناس لايستجيبون، وأن جهودهم تحبط ويقضى عليها.

ولهؤلاء وأمثالهم يقال:

أولا: ليست جميع نتائج الدعوة مما يظهر لصاحبها، فكثير من الجهود الدعوية لايدرك صاحبها أثرها، أو لاتؤتي أثرها إلا بعد حين.

ثانيا: أن مناط التكليف في الدعوة هو القيام بالواجب الدعوي، وليس استجابة الناس، فمتى قام الداعية بالواجب في دعوته فقد تحقق الأمر، وسقط عنه التكليف، واستحق الثواب، سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا.

ولعل خير شاهد على ذلك سيرة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، والنبي يأتي ومعه الرجل والرجلان، وهذا بلا شك لا يعني تقصير الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فهذا النبي الذي لم يتبعه أحد خير من الدعاة الذين يهتدي على أيديهم آلاف الناس، فالعبرة إذا بالعمل لا بالنتيجة.

ثالثا: أن الواقع أننا نرى أن كثيرا من الأعمال الدعوية تظهر ثمرتها ويراها أصحابها، بل إنها لا تقارن بالجهود المبذولة.

رابعا: أن ضعف الثمرة في بعض الأعمال قد يكون مرده الخلل فيها، وليس بالضرورة صدود الناس وإدبارهم عن الحق.

نماذج من المصلحين

فيما يأتي إشارة سريعة إلى نماذج جاءت في كتاب الله تعالى ممن أدركوا المسؤولية وقاموا بها وهم بشر من آحاد الناس.

أولا: مؤمن آل فرعون الذي جاءنا من خبره ما ذكره الله تعالى في سورة غافر: (وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) إلى آخر قصته وحواره الطويل معهم، إنه ليس نبيا وعالما مشهورا ولكنه رأى أن واجبه الدفاع عن موسى ودعوته ففعل ما فعل.

ثانيا: قصة أصحاب القرية قال عز وجل عنهم (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ... إلى قوله تعالى وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) .

إن غاية ماقاله هذا الرجل أن دعى الناس إلى اتباع المرسلين، فالأمر لم يكن محتاجا إلى علم وفصاحة وإمكانات.

قال ابن هبيرة:"تأملت حال هذا الرجل فرأيت عجبا ، يقول وجاء من أقصا المدينة ولم يأت من وسطها، وجاء يسعى ولم يأت راكبا"فهل لنا في مثل هذا الرجل قدوة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت