وربّ قائل يقول إن التوبة تطمع الإنسان بالخطأ فيُكثر ويتمادى, والصحيح أن التوبة توقف الذنب والإساءة, ويعود العبد صالحًا وإيجابيًا, وقد يتحول إلى داعية إلى الله تعالى, والشواهد من الماضي والحاضر أكثر من أن تحصى, فهذه هندٌ زوج أبي سفيان التي شقت صدر حمزة في غزوة أحد ولاكت كبده تُسلم ويحسن إسلامها وتجاهد في سبيل الله, ولها مواقف مشهودة في اليرموك وتصاب وتصبر وتحتسب. وقصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا دليل على إيجابية قبول التوبة ذلك أن من علم أن لا توبة له هو الذي يتمادى ويزيد في إجرامه ولن يردعه شيء ألم يكمل على المائة بمجرد أن قال له الراهب أن لا توبة له فكان الراهب هو الضحية!.
إن التوبة راحة وطمأنينة وإلا فالهم والغم والقنوط والشر والانتحار, فما أجل حكمة الله"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".
ولو تكرر الذنب فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات فالإنسان غير معصوم وقد يستزله الشيطان ويضعف أمام هوى نفسه فمن له غير الله ملجأ وملاذًا.
*المسارعة في التوبة: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } النساء17.
فليحرص العبد على أن يتوب سريعًا من المعصية فإنه لا يدري متى يدركه الموت, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لرجل و هو يعظه: اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك ، و صحتك قبل سقمك ، و غناك قبل فقرك ، و فراغك قبل شغلك ، و حياتك قبل موتك.)
صحيح على شرط الشيخين. فإياك أخي المسلم من المماطلة والتسويف فإن ملك الموت لن يستأذن عند قبض الروح {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } الأعراف34.
*من أسباب قبول التوبة:
1.الإيمان بالله تعالى, {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } محمد34
2.الاعتراف بالذنب؛ فلا يقدم على التوبة من لم يعترف بأنه ارتكب ذنبًا,
{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } التوبة102
3.الندم على الذنب,عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:: (الندم توبة) ابن حبان.
4.الإقلاع عن الذنب, {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ } الأنفال38.
5.أن يضع في نفسه عند توبته أنه لن يعود ثانية. {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } آل عمران135.
6.رد الحقوق والمظالم إلى أصحابها فإذا كان الله يغفر حقه فإن العبد له حقٌ يجب أن يعود اليه وإلا ضاعت الحقوق بين البشر وظلم بعضهم بعضا, فالتوبة تسقط حق الله ولا تسقط حق البشر, حتى الشهيد على ما له من مكانة ومنزله تبقى حقوق الناس في عنقه.
7.الإخلاص في التوبة , وهي التوبة النصوح {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} التحريم 8 ,أي صادقة, كما في الجلالين.
8.العمل الصالح, فالذي يتوب عليه أن يبادر إلى الطاعات والأعمال الصالحة حتى يبدأ حياة جديدة تدلل على صدق توجهه وتوبته {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } التوبة5
9.التسبيح وذكر الله وملازمة الاستغفار, {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } النصر3
*العوامل المساعدة على التوبة والمسرّعة فيها والمثبّتة عليها:
1.الاستشعار بعظمة الله وقدرته وقوته وأنه تعالى يعلم السر وأخفى وأن علمه محيط بكل شيء.
2.الإيمان بأن الله رحمن رحيم حليم غفّار يفرح لتوبة العبد, عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها)
رواه مسلم