فهرس الكتاب

الصفحة 5939 من 27345

وكذلك قوله: {يغفر الذنوب} عام في الذنوب، مطلق في أحوالها؛ فإن الذنب قد يكون صاحبه تائبًا منه وقد يكون مصرًّا، واللفظ لم يتعرض لذلك، بل الكلام يبيِّن أن الذنب يُغفر في حال دون حال؛ فإن الله أمر بفعل ما تُغفر به الذنوب ونَهى عمَّا به يحصل العذاب يوم القيامة بلا مغفرة فقال: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون. أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أنَّ لي كرةً فأكون من المحسنين. بلي قد جاءتك آياتي فكذبتَ بها واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين} فهذا إخبار أنه يوم القيامة يعذِّب نفوسًا لم يغفر لها كالتي كذَّبت بآياته واستكبرت وكانت من الكافرين، ومثل هذه الذنوب غفرها الله لآخرين لأنهم تابوا منها. ["مجموع الفتاوى" (16 / 27) ] .

وقال ابن تيمية:

والله - سبحانه - لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال - تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم} ، وهذه الآية عامَّة مطلقة لأنَّها للتائبين!، وأما قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فإنها مقيَّدة خاصَّة لأنَّها في حق غير التائبين! لا يغفر لهم الشرك، وما دون الشرك معلَّق بمشيئة الله - تعالى -. [مجموع الفتاوى (2 / 358) ] .

وقال ابن تيمية:

وقد قال - تعالى -في كتابه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فجعل ما دون ذلك الشرك معلَّقا بمشيئته، ولا يجوز أن يُحمل هذا على التائب؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره! كما قال - سبحانه - في الآية الأخرى {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا} فهنا عمَّم وأطلق؛ لأن المراد به التائب! وهناك خصَّ وعلَّق.

4.وقال ابن القيم:

الوجه الرابع: أن الذنوب تُغفر بالتوبة النصوح، فلو بلغت ذنوب العبد عنان السماء وعدد الرمل والحصا ثم تاب منها: تاب الله عليه قال - تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم} فهذا في حق التائب! فإن التوبة تجبُّ ما قبلها، والتائب مِن الذنب كمن لا ذنب له، والتوحيد يكفِّر الذنوب كما في الحديث الصحيح الإلهي"ابن آدم لو لقيتَني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لقيتُك بقرابِها مغفرة"."هداية الحيارى" (130) .

وقال ابن القيم:

وكاتكال بعضهم على قوله - تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعًا} وهذا أيضًا مِن أقبح الجهل! فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنه رأس الذنوب وأساسها، ولا خلاف! أن هذه الآية في حق التائبين فإنه يغفر ذنب كلِّ تائبٍ أي ذنب كان.

ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة، وهذا إنما أوتي صاحبه من قلة علمه وفهمه! فإنه - سبحانه - ها هنا عمَّم وأطلق، فعلم أنه أراد التائبين، وفي سورة"النساء"خصَّص وقيَّد فقال {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأخبر الله - سبحانه - أنَّه لا يَغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه، ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره."الجواب الكافي" (ص 12) .

5.وقال ابن كثير:

وهذه الآية التي في سورة تنزيل أي: الزمر - مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أيِّ ذنب! وقد تكرر منه: تاب الله عليه، ولهذا قال {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} أي: بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك: لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك!! لأنه - تعالى -قد حكم هاهنا بأنه"لا يغفر الشرك"! وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء! أي: وإن لم يتب صاحبه، فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه، والله أعلم. ["التفسير" (1 / 512) ] .

6.وقال الشنقيطي:

قوله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء / 48] ذكر في هذه الآية الكريمة أنه - تعالى -لا يغفر الإشراك به، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثمًا عظيمًا.

وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب: غفر له، كقواه {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا} الآية، فإن الاستثناء راجع لقوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} وما عطف عليه؛ لأن معنى الكل جمع في قوله: {ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} الآية، وقوله: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف} ["أضواء البيان" (1 / 290، 291) ] .

والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت