والناس يتفاوتون في التوحيد ويتفاوتون في فهم معنى هذه الكلمة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:' فإن المسلمين- وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم- متفاضلون في تحقيقها تفاضلًا لا نقدر أن نضبطه'" الفتاوى" ويقول تلميذه ابن القيم:' فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة، وقيامهم بحقها باطنًا وظاهرًا أمر لا يحصيه إلا الله'" طريق الهجرتين" . ويقول أيضًا:' فإن من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت؛ انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب، وهي- أي الشهادة- في القلب بمنزلة الروح من البدن، فروح ميتة، وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة، قائمة بمصالح البدن...' " الداء والدواء" .
آثار التوحيد وثماره:
أولًا: تحقيق معرفة الله سبحانه وتعالى: وهي من أعظم الآثار، وكيف تعرف ذلك؟ قال ابن القيم:' ولهذه المعرفة بابان واسعان، الأول: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها . والثاني: الفقه في معاني أسمائه الحسنى، وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك...'" بتصرف من الفوائد" .
فالفقه في معاني أسماء الله وصفاته ومقتضياتها وآثارها وما تدل عليه من الجلال والكمال أقرب طريق لمعرفة الله. وكما قيل:'من كان بالله أعرف كان لله أخوف'. فمن كان بالله وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب وأحب، وله أقرب؛ وجد من حلاوة الإيمان في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه. ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حب غيره، وكلما ازداد له حبًا؛ ازداد له عبودية، وذلًا، وخضوعًا . إن علمنا بالله ومعرفتنا به؛ يصلنا بالله، ويزكي نفوسنا ويصلحها، وهذا هو الطريق الذي أضاعه الكثير من المسلمين اليوم.
ثانيًا: راحة النفس الموحدة واطمئنانها وسعادتها: فهي لا تقبل الأوامر إلا من واحد، ولا تمتثل للنواهي إلا من واحد، ولذلك ترتاح النفس وتطمئن ويسكن القلب، ويهدأ. قال ابن القيم رحمه الله: 'وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ... [22] "سورة الأنبياء" فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى؛ فسد فسادًا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده، الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه، وينيب إليه'" الفوائد".
إذًا فالموحد لا يحب إلا لله، ولا يغضب إلا لله، ولا يكره إلا لله. وهنا يشعر القلب بالراحة والسعادة، فهو مطالب بإرضاء الله ولو غضب عليه أهل الأرض قاطبة، هذه هي حقيقة التوحيد، بل هذا هو الإخلاص لله في كل شيء: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [162] لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [163] {"سورة الأنعام" وقد خلقنا الله لعبادته:} وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [56] "سورة الذاريات".
والعبادة:' اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة' فكل فعل، وكل قول، وكل حركة، وكل سكون في حياتك هي عبادة لله، بشرط أن يحبها الله ويرضاها، وأن تكون خالصة لله، وكما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. هذا هو هدف المسلم في الحياة، فإذا اتضح الهدف للمسلم ارتاح قلبه، واطمأنت نفسه، وشعر بالسعادة؛ لأنه يعيش من أجل هدفٍ سامٍ، وغاية واضحة، ومبدأ عظيم هو رضا الله. وبهذا المفهوم الصحيح للعبادة فكل شيء في الحياة مع النية الخالصة لله؛ عبادة يؤجر عليها العبد، ومن الأمثلة على هذا:
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ] رواه مسلم. إذًا: وأنت تقضي شهوتك تؤجر عليها.
الهم..المرض..التعب يؤجر عليها المسلم الموحد الصادق إذا كانت في رضا الله عز وجل، ألم يقل الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ] رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد.'لا إله إلا الله'ما أحلاها في حياتنا قولًا وعملًا لا كما يريد أعداء الله في المسجد فقط..في شهر رمضان، وموسم الحج فقط أما ما عداه فلا! ولذلك ربما سمعنا بعض المسلمين يقول: أَدْخَلُوا الدين في كل شيء . ونقول له، ولأمثاله: نعم الدين في كل شيء، ونحن مسلمون، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.. تسليم واستسلام لله تعالى في كل شئون حياتنا لاحرية لك إلا في حدود الشريعة لا حرية لك بلباسك، ولا بقولك، ولا ببيعك، ولا بشرائك، ولا بذهابك، ولا بمجيئك إلا بهذه الحدود.