ثالثًا: تواضع النفس الموحدة وخوفها وانكسارها لخالقها وافتقارها إليه:لشعورها أنها في حاجة إليه في كل لحظة؛ فهو مالكها، ومدبرها، وهذا مما يزيد العبد افتقارًا والتجاء إليه عز وجل، ويزيده ترفعًا عن المخلوقين وما في أيديهم، فالمخلوق ضعيف، فقير، عاجز أمام قدرة الحق عز وجل الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون . هنا يشعر الموحد بأنه يأوي إلى ركن شديد، وأنه في سعادة عظيمة، كيف لا؟ وهو يشعر بذله، وانكساره، وافتقاره، وعبوديته لملك الملوك. وهذه الثمرة من أعظم ثمرات التوحيد على النفوس، حُرِمَهَا الكثير منا. فراحة النفس، وسعادة القلب في الذل، والافتقار إليه، والانكسار بين يديه سبحانه، فلنلجأ إلى الله.. لنعلن ضعف أنفسنا لله، وهنا سيشعر الموحد بالقوة العجيبة وبالصبر والثبات؛ لأنه يعلم أنه يأوي إلى الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، الذي يحوطه، ويحفظه.
رابعًا:اليقين والثقة بالله عز وجل: فصاحب التوحيد على يقين من ربه، مصدق بآياته، مؤمن بوعده ووعيده كأنه يراه رأي العين، فهو واثق بالله، متوكل عليه، راض بقضائه وقدره، محتسب الأجر والثواب منه. والنفس الموحدة تمتلئ بالطمأنينة والسكينة حتى في أشد المواقف وأصعبها، ألم نقرأ في القرآن: الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [82] { "سورة الأنعام" يقول ابن تيميه رحمه الله:'والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله، فقول العبد لها مخلصًا من قلبه له حقيقة أخرى'. ما هذه الحقيقة؟ يخبر تلميذه ابن القيم عن شيخ الإسلام بتلك الحقيقة الذي ذاقها- كما نحسبه والله حسيبه- فيقول:'وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم،، بل ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نظرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض؛ أتيناه فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل؛ فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم بطلبها والمسابقة إليها..'. هكذا النفس الموحدة مهما أصابها في الدنيا، ومهما كانت الابتلاءات والامتحانات، مهما كانت الشدائد على تلك النفس؛ فإنها تعلم أنها قد تجزى بسيئاتها في الدنيا في المصائب التي تصيبها، ولذلك قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ:} لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [123] { "سورة النساء" فَكُلَّ سُوءٍ عَمِلْنَا جُزِينَا بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْتَ تَمْرَضُ أَلَسْتَ تَنْصَبُ أَلَسْتَ تَحْزَنُ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَهُوَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ] إذًا فأنت مأجور، والتوحيد يسليك عند المصائب، ويهون عليك الآلام وبحسب مقدار ما في القلب من لا إله إلا الله يكون الصبر والتسليم والرضا بأقدار الله المؤلمة،واليقين بنصرة الله وتحقيق وعده: فقد تكفل الله لأهل التوحيد بالنصر والعزة والشرف كما قال تعالى:} وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [55] { "سورة النور" هذا هو الشرط:التوحيد} يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا .
خامسًا: تفريج الكربات: وقصة يونس عليه السلام من الأدلة على ذلك، قال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ بماذا نادى.. بماذا استغاث؟ بكلمة التوحيد