فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [87] { "سورة الأنبياء" فماذا كانت النتيجة؟ } فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [88] {"سورة الأنبياء" بل حتى المشركين يعلمون أن في التوحيد تفريجًا للكربات، قال تعالى:} فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [65] "سورة العنكبوت" قال ابن القيم رحمه الله:'فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب في التوحيد، ودعوة المؤمن التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه في التوحيد، فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهذا مفزع الخليقة وملجؤها، وحصنها، وبياتها وبالله التوفيق…'.
سادسا: الحزم والجد في الأمور:فإن الموحد جاد حازم؛ لأنه عرف هدفه، وعرف لماذا خُلِق، وما المطلوب منه، وهو توحيد الله عز وجل والدعوة إليه؛ فلذلك حرص على عمره، فاستغل كل ساعة في عمره، فلا يفوت فرصة للعمل الصالح، ولا يفوت شيئًا فيه رجاء الله، ولا يرى موقع الإثم إلا وابتعد عنه خوفًا من العقاب؛ لأنه يعلم أن من أسس التوحيد: الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال، والله عز وجل يقول: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [132] "سورة الأنعام" وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الحزم والجد والقوة، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ] رواه مسلم وابن ماجه وأحمد . فيا أيها الموحد كن جادًا حازمًا، فأنت صاحب عقيدة تحمل همها في الليل والنهار، وفي اليقظة والمنام، وهكذا المسلم إن حزن أو ابتسم فلتوحيده، وإن أحب أو أبغض فلعقيدته..حياته كلها جد وعمل، فهي وقف لله تعالى.
سابعًا:التوحيد هو الذي يحرر النفوس من رق المخلوقين: ومن التعلق بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا والله هو العز الحقيقي، والشرف العالي، فيكون بذلك متألهًا، متعبدًا لله، فما يرجو سواه، ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه. قال شيخ الإسلام رحمه الله:'المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم؛ فيحصل له رعب كما قال تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا... [151] { "سورة آل عمران" أما الخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى:} الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [82] "سورة الأنعام" وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك كما في الحديث' . فمن آثار التوحيد إذًا القوة والشجاعة
ثامنًا:التوحيد يسهل على النفوس فعل الخيرات وترك المنكرات: المخلص في توحيده تخف عليه الطاعات؛ لما يرجوه من الثواب ويهون عليه ترك المنكرات، وما تهواه نفسه من المعاصي؛ لما يخشى من سخط الله، وأليم عقابه . وكلما حقق العبد الإخلاص في قول:' لا إله إلا الله' صرف عنه الكثير من الذنوب والمعاصي، ألم يقل الحق عز وجل: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [24] {"سورة يوسف" فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه} مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ {ويقول الحق عز وجل:} قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [110] "سورة الكهف" فالمسلم بقدر ما في نفسه من التوحيد يكون إقدامه وحرصه على فعل الخيرات والعكس بالعكس . وأقول لأولئك العاجزين، أسرى الذنوب والشهوات والمعاصي، الذين إذا ذكروا؛ تعللوا بالمشقة والعجز، فإذا قيل لأحدهم: اترك يا أخي تلك المعصية . قال: والله ما استطعت. أقول لأولئك كما يقول ابن القيم رحمه الله:' إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله أما من تركها صادقًا مخلصًا من قلبه لله؛ فإنه لا يجد من تركها مشقة إلا في أول وهلة؛ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؟' .