تاسعًا:التوحيد ينير القلب: ويشرح الصدر ويجعل للحياة معنى وحلاوة بل إن' لا إله إلا الله' إذا خرجت من قلبٍ صادق؛ تقلب الحياة رأسًا على عقب،فهذا بلال عبد حبشي ليس له من الأمر شيء فأصبح بـ 'لا إله إلا الله' المؤذن الأول، ورجل من أهل الجنة، وسيد من سادات الإسلام، تهتز له القلوب، سبحان الله! كان مولى من الموالي، فلما آمن بالله؛ وقف في وجه أسياد مكة يتحداهم بـ'لا إله إلا الله' إنها شمس التوحيد لامست شغاف القلوب، فتجلت بها ظلمات النفس والطبع، وحركت الهمم والعزائم .
عاشرًا:التوحيد يحفظ هذه النفوس: ماحفظت دماؤنا وأعراضنا وأموالنا إلا بكلمة التوحيد'لا إله إلا الله' قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ] رواه مسلم وأحمد. بل انظر لهذا الموقف العجيب: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ قَالَ: [أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا] فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ.رواه البخاري ومسلم-واللفظ له- وأبوداود وأحمد. فبماذا حفظت هذه النفس؟ بتوحيد الله، بـ'لا إله إلا الله' ولذلك ترجم النووي لهذا الحديث فقال:" باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال:' لا إله إلا الله'.
الحادي عشر: الإنصاف وتربية النفس على العدل: فمن أظلم الظلم أن يكون الله هو الذي أوجد؛ فأحسن الخلق، وينعم ويحسن الإنعام، ويتفضل سبحانه بكل شيء وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [18] { "سورة النحل" ثم بعد ذلك كله نقابل ذلك بالنكران والجحود، فنجعل له ندًا نمتثل لأمره ونحبه من دون الله، بل نخافه من دون الله ونرجوه، بل ربما صرف له شيء من العبادة من دون الله أليس هذا هو الظلم العظيم؟ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! ولذلك كان أعظم ذنب عصي الله به هو الشرك بالله } يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [13] { "سورة لقمان" وكما قال عز وجل:} إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [48] "سورة النساء" .
الثاني عشر: زوال الحيرة والتردد عند الإنسان: فكلما كان الإنسان موحدًا، مخلصًا لله، منيبًا إليه؛ كان أكثر اطمئنانًا، وراحة، وسعادة. وكلما كان الإنسان بعيدًا عن الله كان أكثر حيرة وضلالًا وترددًا، واقرأ إن شئت قول الحق عز وجل: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [71] "سورة الأنعام" فأهل التوحيد أكثر الناس طمأنينة وإيمانًا، وأبعدهم عن الحيرة، والانفراد، والتخبط، والتنافر. وليس ذلك إلا بتوحيد الله؛ بالتوحيد الخالص لله؛ تعرف من أنت؟ من أين أتيت؟ لماذا أتيت؟ ماذا يريد الله منك؟ ولولا الله ما كنت موجودًا في الوجود .
الثالث عشر: جمع كلمة المسلمين الموحدين وتوحيد صفوفهم: جمع الله بالتوحيد القلوب المشتتة، والأهواء المتفرقة، فما اتحد المسلمون، وما اجتمعت كلمتهم إلا بالتوحيد..وما تفرقوا واختلفوا إلا لبعدهم والله عنه؛ فربهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، ودعوتهم واحدة، هي:' لا إله إلا الله' .. أهل التوحيد لا يختلفون في أصول الدين وقواعد الاعتقاد، يرون السمع والطاعة لولاة أمورهم بالمعروف مالم يأمروا بمعصية، ولا يجوز الخروج عليهم- وإن جاروا- إلا أن يرى منهم كفر بواح، عليه من الله برهان.. أهل التوحيد تتفق في الغالب وجهات نظرهم، وردود أفعالهم مهما تباعدت الأمصار والآثار، فالمصدر واحد.