الرابع عشر:جود نفوس الموحدين بالمال والنفس في سبيل الله ونصرة دينه: فأمة التوحيد أمة قوية، تبذل كل غال ونفيس من أجل دينها وعقيدتها وتثبيت دعائمه، غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك، يقول عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [15] "سورة الحجرات"، لم يدخلهم شك، ولا خوف، ولا يأس، ولا قنوط في حقيقة توحيدهم وعقيدتهم، بل في حقيقة نصرة الله لهم..أيها الموحد.. أيتها الموحدة، هل جعلت نفسك، ومالك، وولدك، وكل ما تملك في خدمة هذه العقيدة في سبيل لا إله إلا الله؟
ماذا قدمت لدينك، وعقيدتك؟ نعجب ونتحسر يوم أن يضحي الكافر من أجل دينه وعقيدته- وهو على باطل-. ويوم أن يفتر ويهمل ذلك المسلم من أجل عقيدته وتوحيده وهو على حق !
الخامس عشر: شعور النفس الموحدة بمعية الله عز وجل: قال ابن القيم:'فإن قُلْتَ: بأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع؟ قُلْتُ: بالتوحيد، والتوكل على الله، والثقة بالله، وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله ليس لأحد مع الله شيء '"الفوائد" قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ اللَّهَ... [38] {"سورة الحج" وقال:} أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ... [36] {"سورة الزمر" وقال:} ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [11] { "سورة محمد" وقال:} لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [64] "سورة يونس" وفي الحديث القدسي: [ إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ...] رواه البخاري. فأي فضل يناله صاحب التوحيد! فالله معه يحفظه، وينصره، ويدافع عنه؛ مما يزيده قوة وشجاعة وإقبالًا على الله عز وجل قال ابن رجب في رسالته الجميلة 'الإخلاص':' من صدق في قول لا إله إلا الله؛ لم يحب سواه، ولم يرج سواه، ولم يخش أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه، ومع هذا فلا تظن أن المحب مطالب بالعصمة وإنما هو مطالب كلما ذل أن يتلافى تلك الوصمة'.
السادس عشر: العلم والبصيرة: فمن عرف التوحيد وحقيقته؛ عرف عكسه من الشرك وحقائقه وأباطيله، بل عرف احتيالات أهل الشرك ومكرهم، فيجزم الموحد بكفرهم، وعداوتهم. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ] رواه مسلم وأحمد. فلا يكفي لعصمة دم المسلم أن يقول: لا إله إلا الله، بل لا بد أن يضيف إليها: الكفر بما يعبد من دون الله، فإن لم يكفر بما يعبد من دون الله؛ لم يحرم دمه وماله، ومن الآثار محبة أهل الإيمان وموالاتهم وبغض المشركين ومعاداتهم . وقد يتساءل البعض:لماذا يأمرنا الإسلام ببغض المشركين؟ فأقول: لأننا نحن وإياهم على طرفي نقيض، فنحن أهل توحيد، وهم أهل شرك، وبيننا وبينهم عداوة وبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده كما قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ... [4] "سورة الممتحنة" . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين .
من محاضرة: أثر التوحيد في النفوس للشيخ/ إبراهيم الدويش