فهرس الكتاب

الصفحة 6091 من 27345

ولما كانت الغاية التي تسعى إليها الجامعات تتمثل في إيجاد الفرد النافع لنفسه ومجتمعه ووطنه و دينه فان التفاعل بين هذه الشخصية التي تعدها الجامعة لخدمة مجتمعه الإنساني وبين المجتمع الذي تعد له هذه الشخصية - إنما يتم إذا كانت اللغة التي يتعلم بها تلك الشخصية هي اللغة التي يتعامل بها ذلك المجتمع ويفكر بها ويقدم نفسه للعالم على أساسها وهذا يفرض علينا أن نهتم بالبعد الاجتماعي في مشاكل التعريب فالأمة العربية متعددة الأوطان متمايزة الكيانات والنظم السياسية مترامية الأطراف تعاني مشكلات الأمية العلمية والحضارية على غير ما كانت عليه في الماضي فالمصطلح الواحد ينطلق من بغداد ثم ينتشر في القاهرة و دمشق وقرطبة بخلاف ما هو عليه الآن فالتعريب عند المشارقة هو"صياغة المصطلح الأجنبي على المقاييس الصرفية العربية بحيث يصبح قابلا للتعريف وأخذ الاسم منه والفعل واسم الفاعل واسم المفعول واسم الآلة"، وعند المغاربة"إحلال اللغة العربية في التعليم محل اللغات الأجنبية وتوسيع اللغة العربية والعمل على أن تكون لغة التخاطب العربية وحدها والدعاية لها ومقاومة كل الذين يناهضون لغتهم للتفاهم فيما بينهم بلغة أجنبية وبالجملة فإن التعريب هو الذي جعل اللغة العربية أداة صالحة للتعبير عن كل ما يقع تحت الحس من العواطف والأفكار والمعاني التي تختلج في ضمير الإنسان الذي يعيش عصر الذرة و الصواريخ"فهذا التعريف الثقافي الشامل أملته الظروف الاجتماعية والسياسية والمنافحة عن هوية الأمة وخصوصيتها الحضارية والثقافية في ظل مواجهة الثقافة الأجنبية التي سيطرت فترة طويلة على بلاد المغرب العربي وهذا تعريف يتجاوز المفهوم الفني الذي ساد في المجامع العلمية واللغوية فترة من الزمن ، وفي هذا الموضوع يقول الدكتور"محي الدين صابر"المدير السابق للمنظمة العربية للثقافة والعلوم:"التعريب ليس قضية لغة بل هي قضية حضارية أساسية تواجهنا حاليا اللغة ليست ألفاظا بل فكرا وبالتالي لابد من تطوير المجتمع العربي واستيعاب حضارة العصر وذلك لا يتم إلا عبر اللغة كوسيلة وكأداة ، اليابان - مثلا - وهو مثل تقليدي أوجدت شخصيتها عبر لغتها الخاصة وقد أضحت اللغة اليابانية لغة تكنولوجيا حديثة ، أي لغة لها عمق تاريخي وتراث ضخم ، من حقها أن تكون مثل اللغات الأخرى. بالنسبة للغة العربية ارتبطت كثيرا بالتراث خاصة التراث الإسلامي ، هذا العامل أغرى الغرب على محاربة اللغة العربية ، الاستعمار حين أسس المدارس الحديثة حرص على إبعاد اللغة العربية وقد أقصيت عن المجالات الإدارية والاقتصادية والتقنية وبالتالي أصبحت معرفة اللغة العربية لا تجدي نفعا في المجتمع العربي ، وهذا وضع شاذ ، لقد حوربت اللغة العربية في عقر دارها ، أساتذة اللغات في الغرب هم أفضل الأساتذة ولا أود أن أتحدث عن وضع أستاذ اللغة العربية في المدارس العربية ."

الغرب أراد أن يدفعنا لاحتقار الذات ، لأننا للأسف احتقرنا لغتنا وكما ترى فإن قضية التعريب مرتبطة بمجموع الكبرياء القومي" [6] ، وعن هذا الجانب يقول"د. عبد الصبور شاهين":"إن للفرد في المجتمع العربي ولا سيما المثقف محليا أو خارجيا جهتا ولاء متعددة ومصادر ثقافية شتى مع فقر الوعي الاجتماعي الذي يعكس الوعي الحضاري ويشد الفرد إلى الفرد بحبل المواطنة وهي هنا مواطنة على مستوى الأمة العربية ذات اللسان الواحد فإذا أضفنا إلى ذلك تفشي الأمية في نسبة كبيرة من المجموع العربي غيرا لمتحضر وتغير الحياة الاقتصادية إلى جانب القطاعات الجاهلة مما يهون لديها قيمة اللغة وأهمية العلم وأثره في تقرير مصير الفرد كل ذلك يقصي قضية اللغة الواحدة ويحرمها من الثراء الحضاري ويباعد بينها وبين هموم الفرد المثقف الممزق الولاء الشديد التعصب حتى ولو كان أعمى لرأيه ونوازعه والغة لا تتطور إلا على أيدي عاشقيها ولا توسع مقاييسها إلا طبقا لحاجات مجتمع يطالبها بهذا التوسيع" [7] ."

2/ المصطلح العلمي:

إن المصطلح العلمي كلمة - كغيرها من الكلمات اللغوية - تشير الى شيء حسي و معنوي لابد من إيضاح مفهومه أول مرة ، حتى لابن اللغة نفسه لكي يدرك ذلك المفهوم .

وأيّة كلمة - مهما كانت - هي كلمة علمية ، فان لم تدخل تحت هذا العلم ، دخلت تحت علم آخر . فالبحث عن المصطلحات العلمية معناه - في الحقيقة - بحث في اللغة وإمكاناتها في التعبير عن المستحدثات العصرية .

والاصطلاحات من الأمور الوصفية الاعتبارية ، إذ الكلمات المصطلح عليها في المعاني العلمية ، لا تدل على تلك المعاني - من حيث اللغة - دلالة تامة ، إلا في بعض الأحوال الاستثنائية ، فلذلك ليس من الضروري أن تترجم الكلمة عنها ترجمة حرفية ، بل من الأوفق أن نتحرى الكلمة التي يمكنها أن تدل على المعنى المطلوب على أحسن الصور وأوضحها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت