فهرس الكتاب

الصفحة 6092 من 27345

ولما كان يتعسر علينا - في معظم الأحوال - أن توجد الكلمة العربية التي تدل على المعنى المطلوب دلالة تامة - تحتم علينا أن نبحث عن أقرب الكلمات من المعنى المطلوب وأن نخصّصها به ، وإن كان معناها اللغوي الأصلي أعم أو أخص من هذا المعنى .

والمصطلحات وليدة الاحتياجات ، فإنها لا تكون إلا عندما يشعر الناس بالحاجة إليها ، ولا يشعر أحد بالحاجة إليها إلا عندما يفكر في مدلولاتها . واحتياج أمتنا العربية إلى المصطلحات العصرية اللغوية كاحتياجها إلى جميع وسائل التقدم الحضاري ، بل إن حاجتها لتلك المصطلحات تأتي في المقام الأول ، لأنها مرتبطة بأسباب وجودها ، إذ ما عسى أن يكون مستقبل أمة ليست لها لغة تستوعب موجودات الحياة ومعطياتها .

فالمصطلحات العلمية هي الرافد الأساسي للمعاجم والنهوض باللغة على وجه العموم وهي تشمل ألفاظ الحضارة الحديثة وشتى فروعها في المعرفة النظرية ، وفي التطبيقات العملية . ولأهمية المصطلح العلمي العربي أوصى مؤتمر التعريب السابع - الذي عقد"بالخرطوم"عام 1994م - بضرورة تدريس علم المصطلح في الكليات والمعاهد العليا ، إذ إن أهمية المصطلح العربي تكمن في أنه الوسيلة المباشرة للتعريب ، الذي أصبح في بلادنا سياسة واقعة مطبّقة في جميع مراحل التعليم ، ولا سيما التعليم العالي ، ذلك لأن التعريب قضية حضارية و ضرورة قومية و دعوة للاعتماد على الذات لما فيه من استنهاض للأمة ، وترسيخ لهويتها وتأصيل لانتمائها الحضاري .

هذا بالإضافة إلى فوائد التعريب الأخرى ، التي تتمثل في التيسير والتسهيل على الطلبة والدارسين ، وتمكينهم من تلقي العلوم ومتابعة المحاضرات بطريقة أوفى ، حيث إن قدرتهم على الاستيعاب باللغة العربية تفوق ما هي عليه باللغات الأجنبية الأخرى . وتتمثل في إتاحة العلوم الطبيعية والمعارف الإنسانية في جميع مجالاتها باللغة العربية ، لتكون في متناول الدارسين والمواطنين كافة ، مما يمكنهم من المشاركة الفاعلة في النهوض ببلادهم . وتتمثل -أيضا - في توثيق الروابط بين المشتغلين بالعلوم والبحوث والدراسات ، في المجالات التي تهم الوطن والمواطنين .

ولأهمية التعريب بالنسبة للأمة العربية جمعاء جاء في التوصية الثالثة ، من التوصيات المهمة لمؤتمر التعريب السابع ما يلي:"وبناء على ما تقدم يرى المؤتمر انه على الرغم مما حققته مسيرة التعريب حتى الآن من تقدم في الوطن العربي ، وتقديره لما أسهم به العلماء والمتخصصون والمؤسسات اللغوية والتعليمية ، فإنه لابد من أن نخطو خطوة أبعد ، لكي تؤتي هذه الجهود ثمارها ، وهي أن تتخذ الأمة العربية قرارها - على أعلى المستويات المسؤولة - بإلزام جميع الهيئات التعليمية ، من جامعات ومعاهد عليا وسواها ، باستعمال اللغة العربية تأليفا وبحثًا و تدريسًا في جميع المراحل . كما ينبغي إلزام المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي ، باستعمال اللغة العربية الفصيحة ، في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية . وجاء في الفقرة الحادية عشرة من نتائج أعمال تطوير منهجية وضع المصطلح العربي وبحث سبل نشر للمصطلح الموحد وإشاعته المنعقدة في عمان سنة 1993م - ما يلي:-"

"تفيد التجربة السورية والتجربة السودانية في تعريب التعليم في الكليات العلمية والتطبيقية ، على أساس التدرج سنة بسنة - نجاح هذا الأسلوب . وهذا مثال واضح على أن متطلبات التطبيق مواتية ، والأمر يحتاج إلى حسم والبدء في التطبيق تدريجيا ، ولا سيما بالاعتماد على كل ما وضعته المجامع والمؤسسات العربية المتخصصة من مصطلحات تعد الركيزة الأساسية لتطبيق التعريب".

3/ مسيرة وضع المصطلح العربي:

ليس التعريب أمرا جديدا أو نزعة حديثة ، فقد عرف العرب التعريب منذ العصر الجاهلي ، حيث وجدت في لغتهم ألفاظ كثيرة ، استعيرت من اللغات المجاورة . وقد وردت هذه الألفاظ المعربة في أشعارهم كما وردت في القرآن الكريم .

وقد عرفوا وضع المصطلح ، عندما بدأت حركة الترجمة [8] ، في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي ، حيث قام العلماء بوضع كثير من الألفاظ بطرق الاشتقاق والمجاز والتعريب وترجموا تعابير دقيقة ، حتى أصبحت اللغة العربية لغة العلم والحضارة إذ ذاك . كل ذلك يعني أننا لا نقف -الآن - أمام تجربة نخشى عليها الفشل ، فقد مرت اللغة العربية بهذه التجربة ، وبرهنت على حيويتها وقدرتها المتجددة على الاستيعاب .

فمن القدماء الذين عنوا بتسجيل المصطلحات نذكر"الخوارزمي"صاحب كتاب (مفاتيح العلوم ) و"الجرجاني"صاحب كتاب ( التعريفات ) و"الجواليقي"صاحب كتاب ( المعرب الأعجمي في لغة العرب ) و"الخفاجي"المصري جامع كتاب"شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل ) و"النهاوندي"صاحب كتاب"كشف اصطلاحات الفنون والعلوم ) ... هذا ، وما أثبت في الكتب العربية الأخرى من أسماء المصطلحات أكثر مما ورد في هذا الكتب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت