لكن في أحكام أخرى من أحكام المواريث ليس بالضرورة أن تكون الأنثى مستحقة لنصف نصيب الذكر، فهناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصيبا على النصف من نصيب الرجل، في حين أن هناك أكثر من عشر حالات ترث فيها المرأة مثل ميراث الرجل تماما، بل إن هناك حالات كثيرة أخرى ترث فيها المرأة نصيبا أكبر من نصيب الرجل (14) .
إن أحكام المواريث التي فصلها الشارع ولم يتركها لاجتهاد المجتهدين، هي أحكام ثابتة لا تقبل التغيير والتعديل. والسبيل الوحيد إلى الحفاظ على حقوق الورثة والعدل بينهم في توزيعها، هو سبيل تقسيم التركة على مقتضى ما نص عليه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأي تغيير أو تعديل فيها بدعوى المساواة والمماثلة هو ظلم وتجن وتعد لحدود الله عز وجل، لأن فيه دعوى معرفة مصلحة المكلفين أكثر مما يعرفها الخالق الحكيم الذي خلق هؤلاء المكلفين ثم لم يعرف كيف يعدل بينهم، تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا.
نماذج من المسائل المتغيرة الأحكام في نطاق الأسرة
إن المسائل المذكورة سابقا التي تتميز بصفة الديمومة والثبات مما اقتضى أن يحيطها الشارع بأحكام ثابتة، هي بعض النماذج فقط مما أحاطه الشارع بأحكام ثابتة في مسائل الأسرة، ذلك أن أغلب مسائل الأسرة فصلها القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ولم يتركها لاجتهاد المجتهدين، ولذلك فإن المسائل المتغيرة في نطاق الأسرة قليلة ونادرة، إلا ما كان من وسائل تطبيق تلك الأحكام الثابتة فهي متغيرة حقا، أما أصول المسائل فهي ثابتة. وقد لاحظ أحد الباحثين انعدام"منطقة الفراغ التشريعي في ميدان الأسرة، دفعا لذريعة التقنين فيها أو تسريب امتيازات أو استطراق مصلحة معينة من خلال التشريع البشري الوضعي، مدعاة التغيير المستمر في المستقبل الذي تحتمه متطلبات الظروف ونوازع النفس متى رق فيها الوازع والرادع" (15) ، كما عبر. ولذلك نكتفي هنا بذكر مثالين للمسائل المتغيرة، وهما:
1.مقدار النفقة
إن النفقة واجبة على الرجل تجاه زوجته وأولاده ووالديه في حالة عجزهما عن النفقة على نفسيهما.
ووجوب النفقة على الزوجة والأولاد أمر ثابت لا يتبدل ولا يتغير، ولكن مقدار النفقة أمر لم يحدده الشارع، وإنما"جعل الواجب هو تلبية حاجة المرأة بالمعروف. والحاجة تختلف من عصر لآخر، ومن بيئة لأخرى، ومن وسط لآخر، ومن رجل لآخر. فالمدنية غير الريفية، والحضرية غير البدوية، والناشئة في بحبوحة النعيم غير الناشئة في خشونة الشظف، وزوجة الثري غير زوجة المتوسط، غير زوجة الفقير" (16) . وقد بين الله عز وجل ذلك بقوله: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (17) .
وأمر تقدير النفقة متروك للقاضي يفصل فيه عند التنازع، بالنظر إلى حال الزوج وظروفه وطبيعة وظيفته ومقدار دخله. وهذا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال، ولا يمكن أن تكون النفقة التي يحكم بها القاضي ثابتة وواحدة في كل الحالات التي تُعرض عليه، وإلا صار هناك ظلم قد يحيق ببعض النساء والأطفال، لأن الرجل الغني الذي عَوَّدَ زوجته وأولاده على نمط رفاهي معين من العيش ثم حدث الطلاق بينه وبين زوجته، لا يجوز أن يُحكم عليه بالنفقة بنفس المقدار الذي يُحكم به على فقير لم يُعَوِّد زوجتَه وأولادَه إلا على الضروري من العيش.
2.الشروط في عقد الزواج
من حق كل واحد من الزوجين عند إبرام العقد؛ أن يشترط شروطا إضافية يراها كفيلة بالمحافظة على حقوقه، سواء في أثناء استمرار علاقته مع زوجه، أو عند وقوع الانفصال بينهما. وهي شروط يلزم القاضي كل واحد منهما بالوفاء بها، إذا ما وقع التنازع ورُفِع الأمر إليه.
لكن هذه الشروط لا يجوز أن تتعدى الغرض المقصود منها وهو حماية حقوق كل طرف، فتتحول إلى وسيلة لإضرار أحد الزوجين بالآخر.
وذلك مثل أن تشترط المرأة على زوجها أن يدفع لها مبلغا ضخما من المال في حال وقوع الطلاق بينهما، أو تشترط عليه ألا يتزوج عليها مهما كان مبرر الزواج معقولا ومشروعا، أو يشترط الرجل على زوجته أن تتنازل عن حقها في حضانة الأولاد إذا وقع الطلاق بينهما. فمثل هذه الشروط الإضرار فيها مقصود وواضح، وهو أمر لا يقبله الشرع ولا يرتضي حصوله، ولذلك فينبغي عدم إبرام عقد زواج متضمن لمثل هذه الشروط، وإن ذُكِرت في العقد فلا ينبغي للقاضي أن يلتفت إليها إذا ما وقع النزاع وانتهى إلى الانفصال، لأنها شروط تذهب بمقتضى العقد.
موقفنا من دعوات تغيير قانون الأسرة
في ضوء ما سبق يمكن وزن الصيحات الكثيرة الصاخبة الداعية إلى تغيير قانون الأسرة الجزائري، فنقول: