فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكثيرًا ما تنسب إلى الدين، ومن هنا جاء تعبير"الحضارة الإسلامية"و"الثقافة الإسلامية"، والنسبة هنا تقوم على تغليب عنصر في المكون الثقافي للوحدة المعنية على بقية العناصر، باعتبار أهمته وهيمنته . وأحيانًا للدلاله على حدود في المكان أو الزمان لا يمكن أن تصل إليها الثقافة المعنية أو تقصر عن بلوغها ـ دون وجود العنصر الذي نسبت إليه هذه الثقافة تجاوز لغيرـ غير أن تحديد عنوان ثقافة أو حضارة يخضع عادة للمرامي الأيدولوجية وما تتضمنه من ترميز . فما نحن بصدده من حديث عن ثقافة إسلامية يمكن أن يراه البعض"ثقافة عربية"إذا لم تجاوز الحديث العالم العربي، وحدوده النهائية غير متفق عليها رغم الاتفاق على حدوده المركزية . ويمكن نسبة ثقافة المجتمع في باكستان مثلًا إلى شبه القارة الهندية، فبينها وبين الهندوسية ـ رغم الإسلام ـ نسب وصلة قوية، كما يمكن نسبة إيران إلى الحضارة الهندوأوربيه . وبالتاكيد فإن لغتها القومية، وهي الفارسية ـ ( هندو ـ أوربية) تعزلها عن العالم الإسلامي ـ مثل الوطن العربي ـ الذي يجمعها معه الإسلام. وهكذا يمكن القول بوجه عام أن تعبير الحضارة الإسلامية، الدين الغالب في تأثيره عليها هو الإسلام . والإسلام يمثل في استخداماتنا الفكرية أكثر من كونه مجموعة نصوص مقدسة، فهو خلق تاريخي مستمر، قديم ومتجدد على مستوى الأمة والشعوب . يتجاوز المستوى المعرفي العقائدي إلى الجوانب الطقوسية والمؤسسية والقيمية والقانونية ..الخ ولكل منها جذور في سياق المكان المحدد، حية ونامية ومتفاعلة، ربما تعود بقدر كبير إلى مرحلة ما قبل الإسلام في ذلك المكان . غير أن كل ذلك ينسب إلى"الثقافة الإسلامية".وإذا كان للثقافة الإسلامية معناها وبعدها المحلي والنسبي في كل إقليم قاري أو قطري، أو حتى كل مدينة أو قرية، فإن لها بعدها التجريدي العالمي واللاتاريخي. وهذا يقودنا إلى ارتباط هذه"الثقافة الإسلامية بمفهوم"الثقافة الإنسانية"وكذلك بمفهوم"الثقافة العالمية". وقد لا يجوز أ ن نقول"الحضارة العالمية"، ويبدو تناقضا منطقيا في التعبير بين"ثقافة"و"عالمية"، فالثقافة تقوم على"الفروقات"التي تحجب العالمية وتكرس الخصوصية، ولكن أحيانا نغض الطرف عن ذلك تماشيا مع التجاوزات اللغوية."
إن فكرة"العالمية"تقوم على الظن بوجود مجرى رئيسي في الحاضر، كما في الماضي والمستقبل، تصب فيه تجارب الحضارات والثقافات، ويصبح هذا المجرى جارفا يجذب التيارات الفرعية ويجعلها تخضع لاتجاهه، ويلونها بألوانه. له إذن صفة التذويب والتمثيل، وبالتالي الهيمنة الحضارية تعتمد عادة على هيمنة سياسية واقتصادية مكنت بعض القوى المحلية من أن تصبح عالية في تأثيرها ونفوذها. لذا فإن الحضارة التي نصفها بعالمية قد لا تعدو أن تكون حضارة شعوب أو مجموعة شعوب، محدودة العدد ومحصورة المكان، تتمكن مؤقتا من الإمساك بمفاتيح القوة والثروة ومخارج ومداخل الحركة عبر البحار والقارات وبعض نقاط العصب الحساس في جسم العالم ــ إذا جاز التعبير ــ لذلك فإن مثل هذه الحضارة العالمية تكون عادة حضارة مفترسة، تلتهم غيرها من الثقافات، وتعمل على امتصاصها وتمثلها في خلاياها وتصبغ عليها روحها. هذا بالطبع على سبيل المجازفي التعبير اللغوي، ولابد من هذا القول حتى لا نقع في وهم التشخيص البيولوجي للحضارة، مثلما مافعل إشبلنجر مثلا، فنقول أنها كائن حي.
أما"الثقافة الإنسانية"فهي قد تعنى ما هو خالد ومستمر من القاسم المشترك الأعظم، بين كل الثقافات التي أنتجتها وتنتجها المجموعات الإنسانية المختلفة.
و"الثقافة الإنسانية"هي من إرث القرون وتواصل الأجيال، لذلك يمكن أن أقول بأنها"ملك مشاع"، وهو مفهوم يعمل عادة على"تلين"الحواجز الحضارية والجدران التي تتمترس بها الثقافات في حالة المواجهة والعداء، وليس من المبالغة القول بأن أية حضارة مهما تكن عظيمة فإنها تنبع وتصب من وفي"الثقافة أو الحضارة الإنسانية". وفي حال تميز هذه الحضارى وقوتها فإنها ترتبط بوشائج تكوينية وصلات دينامية مع غيرها من الحضارات المتزامنة معها، بحيث يبدو للرائي المبتعد عن"المجال الأرضي"بأن الجميع يمثل كلا واحد. غير أن هذا الفهم يوصل في جانب من تطوراته إلى أيدولوجيا خاصة على فكرة أو مذهب"الإنسانية"، وهو رغم إنسانيته في نهاية المطاف"مذهب"، وهذا المذهب يتصل بيوتوبيا وأحلام ذات صلة بالإحباط الذي يخلقه واقع التجزؤ والانشطار والصراع على هذه الأرض. وإذا كانت الثقافات والوجهات الحضارية تستخدم في معارك التوسع والهيمنة، فهي أيضًا يمكن أن تكون درعًا دفاعية، تقاوم محاولات الإخضاع والامتصاص والتمثل التي تتم أحيانًا باسم"العالمية"أو الإنسانية.