فهرس الكتاب

الصفحة 6152 من 27345

فهذا عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ لمّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لأَصْحَابِهِ يَومَ بَدْرٍ: [ قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ] قَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ: [ نَعَمْ] قَالَ: بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ] قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ: [ فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا" فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ: [ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ] رواه مسلم وأحمد.ما أحوجنا نحن الدعاة إلى صيحة عمير هذه .. نقتبس منها جذوة تنير طريق الدعاة المظلم؛ لترسم له معالم الطريق .. بالثقة بالله في كل حركة .. وفي كل سكنة، نعم هذه صيحة من الأعماق ..!! [هذه نماذج من ذلك الجيل السامق الذي تربى بالقرآن في حجر محمد صلى الله عليه وسلم في ظلال التوجيه الرباني الكريم: قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ[195] إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [196] "سورة الأعراف"..

ثم ماذا كان بعد هذا الأذى الذي احتملوه من كيد المشركين، وهذا الاعتصام بالله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين؟ كانت الغلبة، والعزة، والتمكين لأولياء الله، وكانت الهزيمة، والهوان، والدثور للطواغيت الذين قتلوا الصالحين، وكانت التبعية ممن بقي منهم ممن شرح الله صدره للإسلام لهؤلاء السابقين الذين احتملوا الأذى بثقة في الله لا تزعزع، وبعزيمة في الله لا تلين..

إنّ صاحب الدعوة إلى الله في كل زمان وفي كل مكان لن يبلغ شيئًا إلا بمثل هذه الثقة، وإلا بمثل هذه العزيمة، وإلا بمثل ذلك اليقين .. ومهما أسفر الباطل من تعدٍ وأطلق على الدعاة تهديده، وبقى في وجه كلمة الحق الهادئة، وعربد في التعبير والتفكير .. ينبغي على الدعاة أن يمضوا في الطريق، وأن يحملوا الواجب الملقى على عاتقهم]"طريق الدعوة في ظلال القرآن".

مصادر الثقة بالله:

1 -ضعف لا يتسرب إلى نفسك: [وهذا هو كتاب الله ينطق بيننا، محذرًا من أن يتسرب الضعف إلى نفوس الأتباع، فتحن قلوبهم إلى الاستسلام، لأن الله القدير مؤيدهم وناصرهم، وآخذ بأيديهم، وموهن كيد أعدائهم ... وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا[104] { "سورة النساء".ويقول تعالى:} فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [35] "سورة محمد" .

ويبث القرآن الثقة في المجاهدين بأنفسهم معلنًا أن النصر بيد الله وحده، وأن القلة مع تأييد الله لابد من أن تغلب الكثرة مهما بلغت من قوة:...كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [249] {"سورة البقرة" ويقول تعالى:} إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [65] "سورة الأنفال"

ويقوي القرآن في نفوس المجاهدين الثقة بالنصر؛ لأنهم إنما يجاهدون في سبيل الحق وحده، ولأن وراء الحق قويًا ينصر أهل الحق، وهو يملك وحده جنود السموات والأرض: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [11] "سورة محمد"]" التربية في القرآن لمحمد عبد الله السمان" .

يقول سيد قطب-رحمة الله عليه- في 'الظلال' في تفسير هذه الآية: [ومن كان الله مولاه وناصره فحسبه، وفيه الكفاية والغناء، وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير، لا تخليًا من الله عن ولايته له، ولا تخلفًا لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده، ومن لم يكن الله مولاه؛ فلا مولى له، ولو تجمعت له كل أسباب الحماية وكل أسباب القوة التي تجعله يعرفه الناس بها] "في ظلال القرآن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت