فهرس الكتاب

الصفحة 6156 من 27345

أما القصة الثانية: فهي عند ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لعله يجد من يسمع لدعوته بعد أن آذاه أهل مكة، فلم يجد في أهل الطائف ما كان يأمل، بل ردوه ، وأغلظوا له الجواب ومكث عشرة أيام يتردد على منازلهم دون جدوى. ورغم ذلك فقد كانت ثقته بالله أكبر من هذا، وبقي يدعوهم إلى أن طردوه من الطائف، ووقفوا له صفين يرمونه بالحجارة، وزيد بن حارثة يحاول أن يرد عنه الحجارة، حتى شجوا رأسه وأدموا أقدامه إلى أن ألجؤوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة،فجاءه ملك الجبال وقال له: [ أَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ] فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا] رواه البخاري ومسلم . فبعد كل هذه المتاعب، والإيذاء الذي أصابه من أهل مكة وأهل ثقيف يدعو الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يوحّد الله، فهل بعد هذه الثقة ثقة؟! وهو ثابت على الحق.. ثابت على دعوته لا يلين ولا ييأس؛ لأنه يثق ثقة كاملة بأن نصر الله آت، وأن إظهار الله لهذا الدين لابد منه ولو بعد حين، فأيد الله رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، وأظهر هذا الدين الإسلامي الحنيف.

2 -ثقة الصحابة بالله وبرسوله: أما بالنسبة لثقة الصحابة بربهم وبرسوله عليه الصلاة والسلام، فتتمثل فيما رواه الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: [ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ قَالَ وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنْ الخَنْدَقِ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ عَوْفٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَضَعَ ثَوْبَهُ ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ [بِسْمِ اللَّهِ] فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ وَقَالَ: [ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ] ثُمَّ قَال:َ [بِسْمِ اللَّهِ وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ] ثُمَّ قَالَ: [بِسْمِ اللَّهِ] وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَال:َ [اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ] رواه أحمد. نرى في هذه القصة، وقد كان الصحابة يحفرون الخندق وقد كان الجو باردًا، والطعام قليلًا، وكذلك الماء، وكان يعلم الصحابة ما سيقبل عليهم من الحصار الشديد الذي سيلازمهم، ورغم ذلك لم يصدهم عن الحفر أي سبب من هذه الأسباب، وعندما عرضت لهم هذه الصخرة، وكسرها الرسول صلى الله عليه وسلم كان الرسول يبشرهم بمغانم كثيرة، وبقصور الشام الحمر، وقصر المدائن بفارس، وبأبواب صنعاء في اليمن، ما هذه الثقة العظيمة؟ ثقة الصحابة بقول الرسول عليه الصلاة والسلام وبربهم، لو كان بينهم من هو ضعيف الإيمان لقال: أيبشرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الغنائم التي تحتاج منا إلى الخروج إليها، ونحن مقبلون على حرب مع قريش وعرب الجزيرة العربية، وقد لا يبقى منا أحد؟! ولكن هؤلاء الصحابة الذين رباهم الرسول عليه الصلاة والسلام وعلمهم معنى الثقة بالله، والذين عندما بشرهم بذلك زاد من حماسهم في الحفر، وأذهب عنهم التعب، والجوع والعطش حتى نصرهم الله على عدوهم بدون قتال، كما قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [9] "سورة الأحزاب".

نقول في ختام هذا الفصل: [إن صاحب الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان لن يبلغ شيئًا إلا بمثل هذه الثقة، وإلا بمثل هذه العزيمة وإلا بمثل هذا اليقين: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ[196] "سورة الأعراف" ومهما أسفر الباطل عن غشمه وأطلق على الدعاة تهديده، وبغى في وجه كلمة الحق الهادئة، وعربد.. ينبغي على الدعاة أن يمضوا في الطريق وأن يحملوا الواجب الملقى على عاتقهم]"طريق الدعوة في ظلال القرآن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت