فهرس الكتاب

الصفحة 6330 من 27345

وأول ما نعلمه ونؤمن به من أسباب الكمال في هذا الجيل المثالي أنه تلقى تربيته على يد معلم الناس الخير خاتم رسل الله المبعوث بأكمل رسالات الله صلى الله عليه وسلم إن هذا السبب في طليعة أسباب الكمال لهذا الجيل المثالي، لا يشك في ذلك عاقل فضلًا عن مؤمن، ولكن يحق لنا أن نتساءل: ألم يكن موسى أحد المبعوثين برسالات الله؟ ألم يتح لموسى أن يعاشر قومه في الحل والترحال معاشرة تربية ودعوة أكثر من أربعين؟ ومع ذلك فقد جاء في"سفر العدد"من التوراة الموجودة الآن في أيدي قومه (14: 26 - 27) ما نصه:

"وكلم الربّ موسى وهارون قائلًا: حتى متى أغفر لهذه الجماعة الشريرة المتذمرة علي؟".

"في هذا القفر تسقط جثثكم جميعًا، المعدودين منكم حسب عددكم، من ابن عشرين فصاعدًا الذين تذمّروا عليّ".

أين -من أصحاب موسى هؤلاء- أصحاب محمد، عليهما صلاة الله وسلامه، يوم سار بهم إلى بدر وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا ليناجزوا ثلاثة أضعافهم من أهل الرجولة والحماسة والبأس، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القلّة القليلة من أصحابه وادي زفران، أراد أن يختبر إيمانهم، فأخبرهم عن قريش، واستشارهم في الموقف، فقام الصديق الأعظم أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب الذي أعزّ الله به الإسلام فقال وأحسن، ثم قام فارسهم المقداد بن عمرو"الأسود"الكندي فقال:

"يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه".

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أشيروا عليّ أيها الناس".

فقال له سعد بن معاذ سيد الخزرج وأقوى زعيم في الأنصار:

"والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟".

قال:"أجل".

قال سعد:

"فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئنا به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع ، والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى عدونا غدًا. إنّا لصبرٌ في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله".

وقد كان عملهم أبين من قولهم وأصدق.

هكذا كانوا في مواقف البأس وعند الشدائد، ورأيناهم في تحري الحقوق وإذعانهم للإنصاف والعدل في حياتهم السلمية كما تحدثت عنهم أم سلمة رضي الله عنها -فيما رواه عنها الإمام أحمد في"مسنده"وأبو داود في"سننه"- قالت:

"جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث قد درست، ليس بينهما بيّنة، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:"

"إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطامًا في عنقه يوم القيامة".

فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما:

"حقي لأخي!".

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أما إذ قلتما ذلك؛ فاذهبا فاقتسما ثم توخَّيا الحق، ثم استهما- أي اعملا قرعة على القسمين بعد قسمهما-، ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه".

وهذان الرجلان المثاليان في الإيمان بالحق لا نزال إلى الآن نجهل اسميهما لأنهما من عامة الصحابة لا من خواصهم الممتازين بالفضائل الإنسانية النادرة المثال كالعشرة المبشرين بالجنة وطبقتهم ممن اختصهم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على محبة الحق، واستجابة أصحابه له فيما أحب أن يكونوا عليه، قد أشاعت هذا الخلق في الخاصة والعامة من أبناء ذلك الجيل المثالي. فلما كانت خلافة الصديق الأعظم رضوان الله وسلامه عليه، ناط منصب القضاء برمز العدالة في الإنسانية- وهو عمر بن الخطاب- فكانت تمر على عمر الأشهر ولا يأتيه اثنان يتقاضيان عنده، وأي حاجة بهذه الأمة المثالية إلى القضاء والمحاكم وهي أمة الحق ومن أخلاقها أن تتحرى الحق بنفسها فلا تحتاج إلى تحكيم القضاء فيه. بل إن الطبقة الدنيا في هذا الجيل- وأحوالها وأخلاقها معروفة في كل جيل وقبيل- وهم ممن يستطيع الشيطان في العادة أن يغلبهم على إرادتهم في بعض الأحيان فيقعون في زلة يستوجبون عليها الحد الشرعي، فإن من أعجب ما وقع في تاريخ البشر أن يأتي من يقع في شيء من تلك الزلة من أهل تلك الطبقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعترف بزلته، ويلح بلجاجة وإصرار على طلب إقامة الحد عليه -وفي ذلك حتفه- ليتطهر مما دنسه به الشيطان.

وكان نبي الرحمة إذا رأى هذا الإيمان العجيب في هذه الطبقة من أصحابه الطيبين يحاول جهده أن يدرأ الحد عنهم بكل ما يجيزه الشرع، فيأبون إلا أن يتعجلوا عقوبة الدنيا ليتقوا بها عقوبة الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت