فهرس الكتاب

الصفحة 6331 من 27345

وهذه الملاحظة عن هذه الطبقة بالذات -قد سبق إلى التنويه والتحدث عنها إمام كبير من أئمة أهل البيت من زيدية اليمن، وهو الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة- المتوفى ببلدة كوكبان باليمن سنة 614 - نقل ذلك عنه عالم الزيدية في القرن التاسع السيد محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى الوزير"775-840"في كتابه"الروض الباسم" (1: 55-56) فذكر تلك الطبقة وقال:"إن أكثرهم تساهلًا في أمر الدين ممن يتجاسر على الإقدام على الكبائر لا سيما معصية الزنا.. وذلك دليل خفة الأمانة ونقصان الديانة، بأننا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله من المتأخرين إلا أهل الورع الشحيح، والخوف العظيم، ومن يضرب بصلاحه المثل ويتقرب بحبه إلى الله عز وجل. وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب العالمين وليس يفعل ذلك إلا من يحق له منصب الإمامة في أهل التقوى والدين"أي أن طبقة الدهماء في ذلك الجيل المثالي- ممن قد يقعون في الكبائر- كان لهم من صدق الإيمان والاستقامة على الحق ما يرفعهم إلى مرتبة من يحق له منصب الإمامة في أمة أهل التقوى والدين، فكيف بخاصة الصحابة الذين نزههم الله عز وجل عن أصغر الهفوات ورفعهم إلى أعلى الدرجات. ولولا أن النبوة ختمت بمربيهم وهاديهم إلى الحق صلى الله عليه وسلم لما كان مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أقل من الأنبياء الذين سلفوا في الأمم الأخرى.

وإن هذا الذي يتكلم عن الزناة من دهماء الصحابة واستحقاقهم لمنصب إمامة إمام من علماء أهل البيت، يعني ما يقول ويعلم معنى أقواله، لكنه رأى هذه الطبقة في ذلك"الجيل المثالي"قد صدر عنها من صدق الإيمان ما لم تر أمة من أمم الأرض مثله فحكم بعلمه وكان منصفًا لنفسه، وللحق، ولدعوة الإسلام وآثارها في أهلها الأولين.

وقد علق على كلام الإمام المنصور بالله علامة الزيدية السيد محمد بن إبراهيم الوزير (1: 55-57) من"الروض الباسم"قائلًا يخاطب قارئ كتابه:"فأخبرني على الإنصاف: من في زماننا -وقبل زماننا- من أهل الديانة سار إلى الموت نشيطًا وأتى إلى ولاة الأمر مقرًا بذنبه مشتاقًا إلى لقاء ربه، باذلًا في رضاء الله لروحه، ممكنًا للدعوة أو القضاء من الحكم بقتله؟! وهذه الأشياء تنبه الغافل، وتقوي بصيرة العاقل. وإلا ففي قول الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) كفاية وغنية، مع ما عضدها من شهادة المصطفى عليه السلام بأنهم"خير القرون"وبأن غيرهم"لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما مبلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه"إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشريفة ومراتبهم المنيفة"ونعود إلى المقارنة الأولى بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأمة موسى عليه السلام- وكلاهما من الأولياء أولي العزم- وموسى أتيح له من الوقت لتربية أمته ضعف الوقت الذي أتيح لمحمد صلى الله عليه وسلم في تربية أمته، فكيف نالت أمة محمد صلى الله عليه وسلم هذه المكرمة فكانت"الجيل المثالي"الذي خلده الله عزوجل في القرآن بقوله في سورة آل عمران 110 (كنتم خير أمة أخرجت للناس) بينما الجيل الذي كان مع موسى استحق أن يدمغ بما ورد في سفر العدد (14: 26- 27 و29) كما نقلناه آنفًا عن التوراة التي يطبع منها في كل سنة ملايين النسخ بكل اللغات.

أنا فكرت في هذا الأمر كثيرًا من خمسين سنة إلى الآن ومن ذلك الحين وأنا أراقب كل ما يقع عليه نظري من تحقيقات العلماء وخطرات أفكارهم لأصل إلى حكمة الله في هذا الامتياز الذي اختص به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلهم"الجيل المثالي"الوحيد الذي عرفه تاريخ الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت