لقد كان خلفاء المسلمين وحكامهم في السابق يطبقون عقيدة الولاء للمسلمين أو إذا ما وقع على فرد من المسلمين ضيم فإنه لا يهنأ ولا يستقر لهم قرار حتى ينتصروا له. ومن الأمثلة العملية التي وعتها ذاكرة التاريخ أن أحد خلفاء المسلمين بعث بعثة استطلاعية مكونة من اثنين من جنوده للوصول إلى القسطنطينية وتفقد أحوالها وسافر الاثنان متنكرين حتى وصلا عاصمة الروم واختلطا بأهلها وجمعا ما يريدان من معلومات وكانت خطتهما أن يمشيا متباعدين حتى إذا قبض على أحدهما كان بوسع الآخر العودة والإخبار عنه، ودخل أحدهما قصر الملك في أحد احتفالاتهم وحاول التعرف على القصر ومداخله، وأحوال الملك وجماعته ولكنه اكتشف أمره وقبض عليه ، وكان أخوه في الإسلام يراقب ذلك فلما تأكد من أنه سجن كر راجعًا ليخبر الخليفة بأمره، وقدم الجندي المسلم إلى ملك الروم الذي كان مغرورًا بأبهته وحاشيته ، فاتهم الجندي المسلم باللصوصية وقال له: ماذا يريد خليفتكم من الإغارة علينا، أما تكفيكم بلادكم ورد عليه الجندي بعزة وإباء قائلًا: نحن لا طمع لنا في بلادكم ولا أموالكم، وإنما نهدف إلى نشر الإسلام وإقامة موازين العدل التي افتقدها الناس بسبب ضلالهم عن الدين الحق وتحريفهم لكتب الأنبياء السابقين وتأليههم البشر وعبادتهم للملوك والجبابرة .. وغضب عند ذلك البطريك الذي كان جالسًا قرب الملك وقام من مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة وأمر بسجنه ودارت الأيام وجرى تبادل الأسرى بين المسلمين والروم وعاد الجندي المسلم الأسير إلى أهله ، واستدعاه الخليفة وأكرمه وسمع خبره ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود تنكروا على شكل صيادين حتى وصلوا إلى القسطنطينية فدخلوا واحتالوا على البطريك فقبضوا عليه وجاءوا به مكبلًا إلى أن أدخل على مجلس الخليفة الذي زانه الوقار والحكمة والهيبة.. فأوقف أمامه، وكان الجندي الذي أسر بجانب الخليفة، فقال له الخليفة أهذا هو؟ أي الذي صفعك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين ، فقال له: دونك عنه يا أمير المؤمنين، فقال الخليفة للبطريك: اذهب إلى ملكك وقل له: إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص من الجاني حتى في مملكتك، ورجع البطريك يرجف فؤاده خزيًا وهيبة، وقد أذله وقهره عفو الجندي وتوبيخ الأمير وهكذا قرر الخليفة المسلم حتى أعاد للجندي الذي صفع ظلمًا حقه من عدوه، وحفظ له كرامته وللدولة هيبتها أمام أعتى دول الأرض حينذاك وأكثرها غنى ورفاهية.
ورحم الله ذلك الخليفة الذي ضرب بتلك الحادثة المثل الكبير للحاكم المسلم الذي يدافع عن حق الفرد وحق الجماعة والدولة على حد سواء. ولكم أن تقارنوا بين حكام المسلمين في السابق وحكام المسلمين في الحاضر لتجدوا الفرق الشاسع والمخزي والمفجع.
أيها المؤمنون لم تذل هذه الأمة وتغزى في عقر دارها وتنتهك أعراضها وتستباح مقدساتها إلا حين ضاع الإيمان واختفى من حياتها وبضعف الإيمان وهجر القرآن تصدع بنيانها في الحب والأخوة والموالاة والنصرة، وتقطعت بالمسلمين الأسباب واتخذ البعض الكافرين له أولياءً وأحبابًا وأنصارًا فكانت نتيجة ذلك هو هذا المشهد الذي نعيشه اليوم في فلسطين والعراق وغيرها من البلدان العروبة والإسلام ولن نستطيع الخروج من هذه المآزق إلا بالإيمان الصادق الراسخ وإحياء فريضة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين حبًا ومناصرة وتآلفًا واجتماعًا والوقوف صفًا واحدًا أمام التحديات عملًا بقوله عز وجل:? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ? [الصف:4] ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ...? [التوبة:71] .
راجعه/ عبد الحميد أحمد مرشد.
صحيح مسلم: باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم: الحديث رقم: (2586) عن النعمان ابن بشير رضي الله تعالى عنه .
صحيح مسلم: باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم: الحديث رقم: (2586) عن النعمان ابن بشير رضي الله تعالى عنه .
صحيح البخاري: باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. الحديث رقم: (476) عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه . وأخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم: (2585) .
معجم الطبراني الكبير: باب الظاء .عمير بن وهب الجمحي . وكنز العمال: الحديث رقم: (37456) عن عروة بن الزبير.