فهرس الكتاب

الصفحة 6343 من 27345

تأملوا أيها المؤمنون كيف عقد الله بين المؤمنين في كل زمان ومكان ، عقد موالاة ومحبة ومناصرة، فصار بعضهم أولياء بعض، لكمال إيمانهم وتمام اتصال بعضهم ببعض، وقد تجلت هذه العقيدة وظهرت في أعلى وأوضح معانيها في جيل الصحابة الكرام. يكفي أن أذكر لكم حادثة واحدة فقط للتدليل على ذلك. ما حصل مع عمير بن وهب الجمحي وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعًا، حيث كان عمير قبل إسلامه قد جلس مع صفوان بن أمية بجوار الكعبة بعد غزوة بدر وتحدثا عن الهزيمة المنكرة التي لحقت بهم في بدر وكان ابنًا لعمير أسيرًا لدى المسلمين، فقال عمير لصفوان لولا دين علي وأولاد صغار ليس لهم عائل ينفق عليهم لذهبت وقتلت محمدًا، فقال صفوان: أنا أتحمل ذلك الدين عنك وأتكفل بالإنفاق على أولادك وسأجعلهم كأولادي، وتعاهد الرجلان على ذلك سرًا بجوار الكعبة، ثم مضى عمير بن وهب في مهمته حتى قدم المدينة، ونزل على مقربة من المسجد النبوي، وبينما هو متجه إلى المسجد رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان معه عدد من الصحابة فقال عمر: هذا عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر، امضوا إلى رسول الله وكونوا حوله، ثم انطلق عمر إليه وأخذ بمجمع ثوبه من عنقه وطوق عنقه بحمالة سيفه، ثم مضى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الحالة قال لعمر: أطلقه يا عمر، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"ما الذي جاء بك يا عمير، قال جئت أرجو فكاك هذا الأسير الذي في أيديكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بال السيف معك، قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئًا يوم بدر. قال: اصدقني الذي جئت به؟ قال ما جئت إلا لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم، بل قعدت مع صفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا فتحمل لك صفوان دينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك. فأسقط في يد عمير وقال: والله لقد أيقنت أنه ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي ساقني إليك سوقًا ليهديني إلى الإسلام ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لخنزير كان أحب إلي من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو اليوم بعد إسلامه أحب إلي من بعض أبنائي".

هكذا هو الإيمان وهذه هي أجواؤه العبقة الفياحة التي تعطر الوجود كله وتعمره بالتوحيد والحب والولاء.

فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أوثق الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله.

الخطبة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت