إنها سنّة الله سبحانه وتعالى أن جعل الحياة الدنيا دار تمحيص وابتلاء للناس كافة، حتى تقوم الحجَّة يوم القيامة عليهم أو تقوم لهم، على موازين قسط لا تظلم أحدًا. كم من الناس لم تُعرَف حقيقتهم في الدنيا إلا من خلال ما سنّه الله من سنة الابتلاء والتمحيص، ومن خلال أحداث أو فواجع تكشف الموقف وما خبّأته الصدور.
لقد حملت إلينا العلمانية والحداثة الفكر اليوناني والروماني، وما حمل من أساطير وخرافات ووثنيّة وشرك. لقد أنزلت أوربا ذلك الفكر منزلة التقديس، ونُقِل إلينا بهذا التصوير والتهويل في واقعنا المعاصر، دون أن نكون بحاجة إليه، ودون أن يحمل لنا خيرًا يرضي الله سبحانه وتعالى.
لقد اتصل المسلمون بالشعوب كافة خلال تاريخ طويل. واتصلوا بفكرهم وأدبهم، اتصلوا بالفرس والهند والرومان واليونان، وقامت حركة ترجمة واسعة حين كان الإسلام هو القوي، وحين كان المسلمون هم الذين يحكمون. وكانوا يردّون كل ما يصل إليهم إلى ميزان حق في أغلب الأحيان، دون أن يمنع ذلك حدوث سقطات يدور حولها خلاف.
لقد رفض المسلمون كلَّ فنٍّ نابع من الوثنية مرتبط بها. رفضوا التماثيل والنحت والتصوير المنهيّ عنه، وأبدعوا في فنّ الزخرفة والبناء. وحافظوا على خصائص لغة الإسلام وخصائص الشعر وموسيقاه وفنّه دون أن يحرّفوه، ولكن طرقوا به أبواب الحياة وميادينها، وأبدعوا في فنون تلائم اللغة العربية، كالمقامات والرسائل وغيرها، وجعلوا من الشعر بأوزانه وقوافيه ميدانًا ممتدًا كالبحر، يطرق أبواب الحياة وآفاق الكون، دون أن يكون الوزن والقافية حاجزًا أو معيقًا. وإنما أخرجوا لنا فوائد وجواهر يعجز الشعر غير العربي عن بلوغها. عرف المسلمون ما يمكن أخذه والاستفادة منه، وأعادوا صياغته ليكون فنًّا إسلاميًا صافيًا. وأخذوا من العلوم التطبيقية، ثم أبدعوا فيها وأنشأوا علم الجبر واللوغاريثمات، وأبدعوا في الطب والفيزياء وعلوم أخرى.
أراد المسلمون أن يأخذوا ما يعينهم ليكونوا أمة قويّة عزيزة تحمل رسالة الله إلى الناس. أخذوا ما يزيدهم قوة ويعينهم على الدعوة والبلاغ والنفاذ إلى الشعوب كلها ليُقَدِّموا لها الخيرَ العظيم الذي يحملونه. لم يكن المسلمون أَتباعًا ولكنهم كانوا مبدعين يبنون حضارة إيمانيّة تحمل طهارة الإسلام ووجدان الإيمان والتوحيد، ويدركون حقيقة مسؤوليتهم في هذه الحياة ودورهم في الوفاء بالعهد والأمانة والعبادة والخلافة والعمارة. لذلك رفضوا أن يأخذوا ما يُفْسِد إشراقة الطهارة ونقاوة الإيمان وعظمة الإحساس بذلك كله، الإحساس بعظمة رسالتهم التي جعلتهم خير أمة أُخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
هذا الشعور والإحساس، وصدق العاطفة والوجدان، لا تجده عند أولئك الذين حملوا العلمانية والحداثة إلينا، ثم انقلبوا علينا يعيبون علينا ما نعتزّ به، ويهاجمون ما نتمسِّك به لقد خرج من بيننا اليوم من يدعو بدعواتهم كما ذكرنا، ولكنهم قاموا بدور آخر ألا وهو مهاجمة الحق الذي لدينا. يدعون إلى الباطل ويحاربون الحق!
عابوا علينا الطهر الذي نعيشه، ورفضنا للرجس الذي غرقوا فيه. عابوا علينا التمسُّك بعبقرية لغتنا وجمال شعرنا وتميّزه من النثر، عابوا علينا عبقرية النغمة في شعرنا، يصوغها إِبداع الوزن وحلاوة القافية، وشرف ذلك كله.
وما كان لذلك من سبب إلا ما أصابنا من تفلّت عام وإقبال على الدنيا وشهواتها ولهوها ومتاعها، مما فتح للغرب ثغراتٍ كثيرة ينفذون منها إلى قلب العالم الإسلامي وأطرافه ونواحيه عدوانًا وظلمًا واحتلالًا، بجيوش زاحفة وآلات مدمّرة، ونحن في سكرات اللهو. فتتابعت الهزائم والفواجع، ومواقف الإذلال والهوان، وتتابع مسلسل التنازلات في جميع الميادين: الفكرية والأدبية والثقافية والسياسية والاقتصادية. ذلك بما كسبت أيدينا وبما ظلمنا به أنفسنا، فكان قضاء الله وقدره حقًّا لا ظلم معه أبدًا.
ولم يقتصر الغزو على الغزو العسكري، وإنما رافقه أو سبقه أو لحق به غزو ثقافيٌّ وفكريٌّ واقتصاديٌّ، غزو شامل تعمل من أجله أجهزة ومؤسسات ودوائر وطاقات متفرغة لذلك.
أهم سبب لذلك هو توقف الدعوة الإسلامية بمفهومها المحدّد في منهاج الله، توقّف الدعوة والبلاغ، وتبليغ رسالة الله ودينه إلى الناس كافّة كما أُنزِلت على محمد صلى الله عليه وسلم دون تحريف ولا تبديل. ولو نظرنا إلى التاريخ الإسلامي كله لوجدنا أنه كلما صدق المسلمون بحمل رسالة الله أعزّهم الله ونصرهم وحقق وعده لهم. وكلما تخلوا عن الدعوة وأمانتها أمةً واحدة، حقّق الله فيهم وعيده وأنزل فيهم عقابه.