فهرس الكتاب

الصفحة 6477 من 27345

لم يكن العدوان الغربي بجميع جيوشه وشعوبه على دار الإسلام هو السبب الأول لهواننا، ولكنّ السبب الأول كان هوانَ أنفسنا وإقبالنا على الدنيا و إدبارنا عن الآخرة، وغلبة الجهل على الملايين من المسلمين، الجهل بكتاب الله وسنة نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الجهل باللغة العربية، ثم غلبة الأهواء التي تسلّل من خلالها شياطين الإنس والجن. ثم استبدلت شعوب منتسبة إلى الإسلام لغات أخرى باللغة العربية، وضعفت اللغة العربية في الشعوب العربية نفسها وبين المثقَّفين، وحتى بين بعض الذين تخصصوا بدراسة اللغة العربية:

مَاليْ أَلومُ عَدوّي كلَّما نزلت

بيَ المصائب أو أرميه بالتُّهَمِ

وأدّعي أبدًا أني البريء وما

حملتُ في النفس إلا سقطة اللمم

أنا الملوم ! فعهد الله أحمله

و ليس يحمله غيري من الأُمم

نعم ! نحن الملومون ! نحن المنتسبين إلى الإسلام ملومون، لأن الهوان ابتدأ فينا، في أنفسنا، وبما كسبته أيدينا!

وتوالت بعد ذلك هجمات الدول الغربية واشتد زحفها وزحف جيوشها وأجهزتها ومؤسساتها، وثقافتها وفكرها ولغاتها، حتى أصبحت تنال الفسحة الواسعة من إِعلامهم ومن إعلامنا، وضيّقت الفسحة على كلمة الإسلام ورجال الإسلام وأدب الإسلام.

وبرزت غربة المسلم بروزًا قويًّا، حتى بين إخوانه المؤمنين وبين أهله وقومه. وبرزت غربة الأديب المسلم والشاعر المسلم تتقاذفه أعاصير الحزبية، وتُغرقه أمواج الفتن، وتصارع الأهواء. وبرزت غربة الكلمة المؤمنة الصادقة وهي تبحث لها عن منفذ، وبرزت غربة المصطلح الإيماني، المصطلح الإسلامي الذي حملته آلاف السنين!

وتحوّلت بعض المفاهيم، ولبست بعض المصطلحات ثوبًا جديدًا لا يلائمها ولا يناسب جمالها ! الكلمة، والمصطلح، والموضوع، وكذلك الإنسان، هذا كله أصبح غريبًا. أصبحت الهزيمة ليست في ميدان القتال ولا ميدان السياسة وأمثالهما فحسب، وإنما أصبحت الهزيمة في داخل النفس، وفي الإحساس والفكر والآمال.

و"الأدب العربي"لم يعد عربيًّا في جوهره. فلم تعد لغته اللغة العربية الصافية، بل غلبت العامية واللهجات المحليّة ودوّى بها الإعلام. ولم تعد صياغته هي الصياغة الأصلية ولكنها تفلّتت وتناثرت تحت مطارق شتى ! وكلما حاولت الكلمة الأصلية الطيبة المرتبطة بجذورها الغنيّة النفاذ، وجدت نفسها في زحام شديد تتدافع فيه النماذج المتهالكة المتفلِّتة حتى لا تترك منفذًا لغيرها.

وجاءت فكرة الأدب الإسلامي متأخرة كثيرًا. جاءت لتزاحم أفكارًا وموضوعات ومصطلحات غربية تفرض نفسها بقوّة وعنف، أو تسلل في العروق والدم، فتختل الموازنة أحيانًا، وتظهر الحيرة، ويبرز التناقض بين حملة الأدب الإسلامي نفسه.

يبدو أن أهل الحداثة تماسكوا في ما بينهم، وجمعوا صفوفهم، على كلمة واحدة، وعلى نهج وخطة مدروسة. وأمامهم المسلمون متفرّقين ممزّقين لا يحملون النهج الأصيل الحق الواعي، ولا الخطة الأمينة المدروسة. وأصبح تأثير أولئك أشدّ وأبعد، وتأثير المسلمين أضعف وأَوهى، والفرقة تتسع ولا تضيق. وأصبح الكثيرون ينظرون إلى الغرب نظرة العاجز إلى القوي، والمسود إلى السيّد، والجاهل إلى العالم. وأصبح عطاء هؤلاء هو التقليد الذي لا تجديد فيه، وهو التبعيّة العمياء التي لا عزّة فيها ولا وعي، وهو الانقياد إلى شعارات مدوّيّة تصكّ الأذان. انقطعوا عن جذورهم، وانفصلوا عن غِناهم، واعتزلوا أَمجادهم، وأخذوا يحطمونها تحطيمًا.

أصبح أدبنا المنشور الممتدّ أدبًا مستورًا في أحرف عربيّة وزخارف أجنبيّة، ومعانٍ تائهة، وفكر متهالك، ونماذج ساقطة ضائعة. ولكنها تمتدُّ وتتسع، وتضع بصمتها وآثارها، حتى في أجواء المسلمين. صار الانتماء إلى عصبيات جاهليّة زادت الفرقة والتمزّق، وزادت الغربة، غربة الفكر والكلمة والموضوع والمصطلح:

إذا نهضت وفاء الصدق مِن ذِممي

أنا الغريب ! وأرض الله واسعة

شعابُه كُتَلًا مقطوعةَ اللجُم

تغصُّ بالغُرباء الدرب فاختنقتْ

أهلي وصحبي ومن أفديهِمُ بدمي

أنّى تلفَتُّ أصبحتُ الغريب على

إلا عُرا الدين حبلًا غير منفصم

ما كنتُ أطلب وصلًا لا أُبدّله

إلا المودّة في قربى وفي رحم

ولا رجوت ودادًا في مروءته

أزكى وأطيب ما يُرجى من اللُّحَم

من كان يطلب أنسابًا دفعت لهم

زهوًا على شرف ! مجدًا على هِمَمِ

مضمخًا بدمٍ ! طيبًا على عَبَق

عزًّا ويمضي مع الأيام في كَرَمِ

تراه يضرب في التاريخ أفرُعَه

بِظِلّها ونديٍّ وافر النعم

وشيجة الحق والإيمان وارفة

ولا الذي قطعته الأرض عن رحم

ليس الغريبُ فتىً أَلقته صحبتُه

وملء جنبيه عزمٌ غيرُ منهزم

ولا الذي غادر الأوطان مرتحلًا

مستمسك بالهدى بالله مُعْتصم

طوبى لكل غريبٍ صابرٍ شرفًا

من الكتابِ وآيات من الحِكَمِ

أنا الغريب إذا فارقت حانية

وصُحْبَةً من صفيِّ العهد والذّمم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت