فهرس الكتاب

الصفحة 6478 من 27345

وسنّةً من رسول الله مشرقَةً

ورحْت أضربُ في وهمٍ وفي رُجُم

أنا الغريب إذا جاوزتُ مَعْتقَدي

وعربَدَتْ شَهَوات العمرِ ملءَ دمي

أنا الغريبُ إذا استسلمتُ عبد هوى

نفسٌ إلى صنمٍ يهوي إلى صَنَم

وغربَةُ النفس تُشقي كلما نَزَعَت

زخارف كذبت في الساح والأكم (1)

وقسوةُ الذلِّ أن يرقى الشعار على

ومن هذا الظلام خرج شعراء أعادوا الشعر إلى إشراقة أصالته، وجمال عبقريته، وضربوا بشعرهم موضوعات متجدِّدة في حلية بهية. وإن كان بعضهم لم يلتزم بالصفاء الإيماني والغناء الفكري. فتنقّل بعضهم بين التزام وتفلُّت ليمثلوا مرحلة الحيرة والتردّد. وربما استفاد بعضهم من الغرب الزاحف، فاستطاع أن يطرق ميادين جديدة أَثرت الأدب.

ولكن ذلك لم يرقَ إلى صفاء الأدب الملتزم بالإسلام في موضوعاته وبعض مصطلحاته، فقد ظهر في مرحلة امتدّ فيها الغزو الذي عرضناه قبل قليل واشتد أثره. فنجا من كثير منه ذلك الرعيل الذي أعاد للشعر غناه وأصالته.

ولكن بعض النقَّاد الذين شدتهم زخارف الأدب الغربي ومصطلحاته، أرادوا أن يُخضِعوا الأدب العربيّ إلى تقسيمات الأدب الغربي من أدب كلاسيكي إلى رومانسي إلى واقعي إلى غيره من المصطلحات والتقسيمات خاضعين لتصوّرات لا يجدون لهم عليها برهانًا. وأخذت هذه المصطلحات تمتدّ وتنتشر على قدر عزيمة القوى التي تدفعها.

لم يكن لدى النُقاد ميزان واحد ثابت يحتكمون إليه. فظهرت مدارس متعددة تفاوتت في مقدار أصالتها أو تجديدها المتفلّت. مدرسة الديوان احتفظت بالقدر الجيد من الاعتصام بالأصالة، ومدرسة أبولو وأتباعها أسرفوا في التقليد والتبعية في المصطلح والفكر. والذين جاءوا بعد ذلك غالوا في التقليد الأعمى والتبعية الذليلة والتحلّل والتبرُّؤ من جذور أدب الأمة وعقيدتها.

بلغ الانحراف ذروته حين تحول ولاء نفرٍ منتسبين إلى أمتنا، من ولاء لأمتهم وموالاة لها إلى ولاء للسيّد الغريب الزاحف. فالشيوعي أصبح ولاؤه المعلن لموسكو، وتابِع الغرب أصبح ولاؤه لباريس أو لندن أو نيويورك وواشنطن، ولاء فكر وعاطفة، كلٌّ يمجِّد أسياده في شعره ونثره، في انحرافه الممتد.

دعوات كثيرة متصارعة نقلت ميدان صراعها إلى العالم الإسلامي، وتفجّرت مع كلّ دعوة موضوعات ومصطلحات تتدفّق كأنها الطوفان: الماركسية، اللينينية، الشيوعية، الاشتراكية، الكلاسيكية، الرومانسية، الواقعية بأنواعها، الرمزية، الوجودية، الحداثية بمذاهبها، البنيوية، التفكيكية، الأسلوبيّة، إلى غير ذلك من الخليط العجيب الذي غزا أو زحف أو تسلل إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وتكرّرت ألفاظ ومصطلحات عربيّة في موضوعات منحرفة فاسدة: الخمرة، الخطيئة، الإله، الشيطان، ومصطلحات نصرانية: الصليب، الأيقونة، القدّيسين، وغير ذلك.

وجاءت اشتقاقات غربية: اللاحقيقة واللاواقع، الممرئيّة، التموضع الزمكاني، الرؤيوية، الخ...!

وألفاظ ومصطلحات عائمة لا تحمل معنى محدّدًا ولكن تجرّ الإنسان جرًّا إلى متاهة وضياع: العمل المغلق، اعتباطيّة الإشارة، الفحص الاستبدالي...!

وفقدت بعض الكلمات العربيّة معناها وانحرفت مع المذاهب الجديدة إلى متاهاتها وضلالها، وإلى غموض وإبهام مقصودين.

ودخل في الشعر أسماء رموز مستقاة من الوثنية بمختلف مذاهبها وأشكالها في التاريخ البشري: أبو لو، افرودايت، زيوس، سيزيف، أدونيس، بعل، جلجامش، عشتار، وغير ذلك مما يطول عرضه.

ولقد كان من شدّة تأثير هذه التيارات والمصطلحات أن دخلت في نصوص بعض الشعراء المسلمين، ليس في مجال نقدها وانتقادها، ولكنها في مجال انسياب مُرضي، وتسلُّلٍ خفي، ينفذ من ثغراتِ خللٍ في التصور الإيماني وصفاء التوحيد، وشدَّة التأثر بالغرب ومذاهبه. نظرة سريعة لتاريخ أوروبا الممتد حتى الحرب العالميّة الأولى والثانية وحتى اليوم، نجد الصراع بين الوثنيّة المستقرّة والنصرانية الوافدة، ثم الصراع بين مذاهب النصرانية التي انحرفت عن رسالة عيسى عليه السلام، ثم الصراع بين الكنيسة وبين الملوك والأباطرة والعلماء، هذا كله أثر أبعد التأثير في الفكر الأوربي وولّد فيه المذاهب المتعدّدة التي ذكرنا بعضها، المذاهب التي تدل بوضوح على الحيرة والتردّد والرغبة في التخلّص من الواقع المؤلم في أوروبا، حتى أصدر مارينيتي سنة 1915م كتابًا أسماه:"الحرب هي العلاج الوحيد للعالم". وكانت الحرب العالمية الأولى التي حطمت نفسية الإنسان الأوربي تحطيمًا كبيرًا، فانفلت في متاهات واسعة، وجاءت الحرب العالميّة الثانية لتتابع مهمّة تحطيم النفسية والفكر. فجاءت المذاهب الأدبية المتصارعة المتفلتة ثمرة هذا الصراع الطويل والحروب المدمرة، لتُعبّر عن فقد الإنسان الغربي الأوربي أمله وثقته بالماضي والحاضر والمستقبل، بالدين، بالقيم، بالوطن، بالأخلاق ! بكل شيء!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت