فهرس الكتاب

الصفحة 6479 من 27345

هذا اليأس والإحباط ولّد أدبه في موضوعاته ومصطلحاته، أدب الضياع ! هذا الأدب الضائع هو الذي اتبعه بعضنا في موضوعاته ومصطلحاته، أَو في أكثرها. وكان الاتباع تقليدًا أعمى لا إبداع فيه، تقليدًا ترك الجوهر الثمين الذي هو لديه، وأخذ الزخرف الكاذب من هناك. ثم افترى أصحابه فرية كبيرة حين قالوا: هذا هو التجديد. وانساقت بعض الألسنة والصحف والمجلات وغيرها تردّد شعارات هذا التجديد وتدعو له، في مرحلة غفل فيها المسلمون غفلة واسعة.

ولقد تمادى أتباع الغرب كثيرًا، حين أرادوا أن يطبّقوا موضوعات الغرب ومصطلحاته على اللغة العربية وأدبها. يريدون أن يوجدوا في تاريخ أدبنا مرحلة الأدب الكلاسيكي ثم مرحلة الأدب الرومانسي، والأدب الكلاسيكي هو في أساسه تقليد لأدب اليونان وفكره الذي هو بدوره تقليد الطبيعة في صورة وثنيّة. فأين ذلك من تاريخنا وتاريخ أدبنا؟

ويريدون أن يطبقوا قواعد النقد على أدب الإسلام ولغته العربية، وأنَّى يصحّ هذا ؟! الأدب من منابعه الفكر والعقيدة واللغة ! فلا جلال الإسلام ولا عظمة اللغة العربية يدانيهما الفكر العلماني ولغاته المتعدّدة. اللغة العربيّة متميّزة من جميع لغات العالم، والإسلام متميّز من جميع المبادئ والأفكار.

وانطلقت العلمانية تحمل ذاك الأدب الضائع لتنشره في الأرض كلها، مع مفاسد العلمانية وفجورها وفتنتها. فما عاد يصلح قياس ولا مطابقة ولا اتباع لمن أراد أن يصون دينه ولغته، إيمانه وصدقه ووفاءه.

الإسلام جاء دينًا من عند الله وحيًا على محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته الخاتمة، وحيًا من عند الله باللغة العربية. فارتبطت اللغة العربية بالإسلام إِيمانًا وتصديقًا، وأصبح فرضًا على كلِّ مسلم أن يعرف العربية ويتقنها حتى يتدبر منهاج الله. فإن لم يفعل فذلك إثم ارتكبه، وما أطاع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فللإسلام في ميزان الله ورسوله لغة واحدة هي اللغة العربية، وللأدب الإسلامي لغة واحدة هي اللغة العربية، فإنما نقبله تحت ضغط الواقع والضعف الذي يطغى والهوان الذي غلبنا. ولكننا نظلّ نذكر كل مسلم بوجوب دراسة اللغة العربية وإتقانها، فهي لغة الوحي والنبوة والكتاب والسنة، ولغة الشعائر و الطاعات والدعاء.

أما باقي المبادئ والأفكار في العالم، فلم يفرض أربابها لغة واحدة يعبدهم بها أتباعهم. فكانت الاشتراكية والماركسية والديمقراطية والعلمانيّة والمذاهب الأدبية المختلفة تمضي بلغات مختلفة، كلُّ طائفة من الأتباع لهم لغتهم. فجاء أدب هذه المبادئ بلغات مختلفة. ولكنّ هذا الحال لا يقاس عليه حال الأدب الإسلامي، حين جعل الله للإسلام لغة واحدة نزل بها القرآن الكريم.

إِن مهمّة الأدب الإسلامي اليوم أن تعيد للأدب أصالته وللشعر أصالته، ليُنَقَّى من لوثات الموضوعات التي فُرِضَتْ علينا اليوم، والمصطلحات التي انتشرت بيننا، وما أثارته تلك المصطلحات والموضوعات من بلبلة وحَيْرَة واضطراب في تصوّرنا لأدبنا ولغتنا وشعرنا ومنزلة ذلك كله.

التفعيلة والنثر في الشعر مصطلحات دخيلة، أثارت موضوعات من الغموض والإبهام. مفهوم الشعر ذاته اضطرب اضطرابًا كبيرًا على أثر تصورات الحداثة والبنيوية، وسوء مسالك الأسلوب والأسلوبية ومذاهبها المتناقضة وما طرحه ياكبسون من"نظرية الاتصال"! وما طرحه أدونيس من غيبوبة وسكرة وخمرة ومتاهة في"اللامحدود واللانهائي واللاواقعي".

مهمة الأدب الإسلامي مهمة كبيرة ومسؤوليّة عظيمة سيحاسب عليها الأدباء المسلمون في الدنيا والآخرة. إنها أمانة ورسالة، وإنها عهد مع الله وميثاق. إنها من أمانة الإسلام ورسالته، لا تنفصل عنه أبدًا.

لا بد من نفي الغموض والإِبهام والحَيرة والتيه من أدب الإسلام، حتى يساهم الأدب في حمل الرسالة الربانية التي تزيد الجلاء في بلاغها، والبيان في لغتها، والوصول إلى الناس كافة!

لقد أصبح من المسلمين وممن ينتسبون إلى الأدب الإسلامي من يدعو إلى نفي"الموعظة"من الأدب الإسلامي، ساخرين بالموعظة على إطلاقها، جاهلين أو متجاهلين أن القرآن كله قد سمّاه الله موعظة، لتكون الموعظة شفاءً لما في الصدور، وهدى ورحمةً للمؤمنين. فالذين يدعون إلى ترك الموعظة على إطلاقها إنما يدعون إلى ترك الشفاء والهدى والرحمة:

( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين )

[ يونس: 57 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت