والعبرة من هذا كله هو أنه لا مشروعية علمية للتعصب في الرأي الذي يكون ثمرة الحوار العقلي ، ولو كثر عدد المتحاورين المشتركين فيه ، عقلاء ومجتهدين ، ناهيك عن الرأي الذي ليس ثمرة للحوار ، وإنما هو نتاج نظر لفرد واحد ، لا يوجد معه من يمتحن أنه مجتهد ولا حتى من يمتحن أنه عاقل ، إذ وجود الاجتهاد ووجود العقل -عند الفرد- موقفان على شهادة الغير بهما ، ولا يمكن أن يشهد له بهما ، حتى يستبينهما في حوار نقدي على تمام شرائطه المعلومة ، لهذا فلا رأي ، كائنا ما كان ، يستحق أن نحمل عليه بالقوة ولو كان رأي الجماعة الصالحة ، فما بالك بالفرد الواحد الذي لا يمكن أن نمتحن صلاحه مادام لا يحاورنا ولا يحاوره .
وفي ختام هذا الدرس ، استجمع أمهات الفكر التي دار عليها في أربع:
أولاها أن بنية الكلام أصلا بنية حوارية وأن بنية الحوار أصلا بنية اختلافية .
والثانية: أن الاختلاف في الرأي لا يسوى بالعنف ، وإنما بالحوار العقلي ، ولا هو أيضا يساوي الخلاف ، وإنما الوفاق ، ولا هو أخيرا يفضي إلى الفرقة ، وإنما إلى الألفة .
والثالثة: أن الاختلاف في الرأي يتقيد في سياق الحوار بضوابط محددة تصرف عنه المهلكات الثلاث:"العنف"و"الخلاف"و"الفرقة".
والرابعة: أن وجود الاختلاف في الآراء لا يضر أبدا وجود الجماعة الواحدة ، بل يكون خير مثبت لهذا الوجود لقدرته على تحريك وتقليل أطوارها، وبالتالي تجديد الشعور بالالتزام المشترك عند أفرادها والشعور بالمسؤولية الجماعية عند فئاتها .
والسلام عليكم ورحمة الله ...
(*) - أستاذ الفلسفة والمنطق- جامعة الرباط