فهرس الكتاب

الصفحة 6685 من 27345

-"ينبغي اجتناب آفات التعبير والتأويل".

مقتضاه في صورته الخاصة هو:

-"على كل واحد من المتحاورين أن يطلب الإحكام في صياغة أقواله وتحديد معانيه".

لا سبيل إلى منع الفرقة إلا باجتهاد المتحاورين في أحكام اللغة التي يستعملانها بالقدر الذي يتيح لهما أن يتواصلا فيما بينهما تواصلا مبينا غير مشوش ، و لا يخفى أن هذا الإحكام يقتضي أن تكون العبارة سليمة وواضحة و دقيقة في غير إيجاز مخل ولا تطويل ممل ، لأن خلوها من هذا الإحكام - بأن تكون ركيكة أو غامضة أو ملتبسة مع إيجاز أو تطويل . قد يتسبب في حالات من سوء الفهم وسوء التفاهم تصل إلى درجة أن المتحاورين قد يحسبان أنهما متفقان في مسائل وليس الأمر كذلك ، فيكون اتفاقهما الكاذب سببا في ترك حوار كانا في حاجة إليه ، أو على العكس من ذلك ، قد يحسبان أنهما مختلفان في مسائل وليس الأمر كذلك ، فيكون اختلافهما الكاذب سببا في الدخول في حوار كانا في غنى عنه .

2-3 ضابط استقامة السلوك

مقتضاه في صورته العامة هو:

-"ينبغي اجتناب آفة السلوك".

و مقتضاه في صورته الخاصة هو:

-"على كل واحد من المتحاورين أن يطلب الاستقامة الخلقية في أقواله وأفعاله".

لا سبيل إلى منع الفرقة إلا باجتهاد المتحاورين في تحصيل الاستقامة في سلوكهما بالقدر الذي يتيح لهما أن يتفاعلا فيما بينهما تفاعلا مثمرا غير مجدب ولا يخفى أن هذه الاستقامة توجب أن يجعل الواحد منهما اعتبار الغير فوق اعتبار الذات ، فلا يأتي من الأفعال ما يشوش على هذا الغير في القيام بحجته أو في إيراد اعتراضه كمقاطعته أو تجريحه أو احتقاره لأن فقد المحاور لهذه الاستقامة . بأن يجعل اعتبار ذاته فوق اعتبار غيره لا يبالي إن أساء إليه أو أحسن - قد يتسبب في حالات من سوء العمل وسوء التعامل بينهما إلى حد أن أحدهما يحسب أنه يصلح في أمور وهو في الحقيقة يفسد فيها ، فيكون هذا الإصلاح الكاذب سببا في ترك عمل كان أنفع له ، أو يحسب أن محاوره يفسد في أمور وهو في الحقيقة يصلح فيها ، فيكون هذا الفساد الكاذب سببا في الدخول في عمل هو أضرُّ به .

3-3 ضابط قبول الصواب

مقتضاه في صورته العامة هو:

-"ينبغي اجتناب المعاندة"

و مقتضاه في صورته الخاصة هو:

-"على كل واحد من المتحاورين أن يقبل النتيجة التي توصل إليها حوارهما ، كائنة"

ما كانت"."

لا سبيل إلى منع الفرقة إلا إذا سلم كل من المدعي واعترض بنتيجة الحوار تسليمهما بالمقدمات المشتركة التي بنياها عليها وبالقواعد الاستدلالية المشتركة التي توسلا بها في هذا البناء ، وقد تكون هذه النتيجة هي إثبات الدعوى - أو الرأي - ، فيلزم المعترض - أو المنقد - إذ ذاك أن يترك اعتراضه ؛ لأنه عجز عن التعرض للدعوى ، أو تكون هي توجه الاعتراض ، فيلزم المدعي إذ ذاك أن يترك دعواه ؛ لأنه عجز عن إقامة الدليل عليها ، وإثبات الدعوى لا يعني أن الدعوى صادقة بالضرورة ، لأن المدعي قد يثبتها بناء على ما سلم به محاوره من مقدمات ، فيكون صدقها متوقفا على صدق هذه المقدمات المسلمة عنده ، وهو ما لم يثبت بعد كما أن توجه الاعتراض لا يعني أن، نقيض الدعوى صادق بالضرورة ؛ لأن عدم إثبات القول لا يلزم منه كذبه ولا صدق مقابله ، نقيضا كان أو ضدا ، فقد يجوز أن يصدق القول ولو لم نظفر بالبرهان عليه كما يجوز أن يكون هناك قول ثالث فيه توقف عن الحكم ، إيجابا وسلبا .

وإذا نحن تأملنا قليلا هاتين الصفتين لنتيجة الحوار ، أولهما ،"التعلق بالمسلمات"، والأخرى ،"زيادة الصدق عن شرط الإثبات والاعتراض"، أدركنا كيف أن هذه النتيجة تكون نسبية لا مطلقة ، واحتمالية لا قطعية ، وتقريبية لا تقريرية ، لذلك ، الغالب على الظن أن أنسب الأوصاف لهذه النتيجة ليس هو وصف الحق ، وإنما وصف الصواب ، لأن الحق حكم على الأمر في نفسه ، بينما الصواب هو حكم على الأمر بالنسبة إلينا ، وما صدق بالنسبة إلينا لا يصدق بالضرورة في نفسه ، وما صدق في نفسه ينبغي أن يصدق بالنسبة إلينا ، إن عاجلا أو آجلا ، فكل حق صواب لكن ليس كل صواب حقا .

و إذا كانت نتائج الحوار التي يتعاون فيه اثنان فأكثر ، على صوابها ، محدودة في صلاحيتها ومعرضة للتصحيح على الدوام ، فما الظن بالنتائج التي يتوصل إليها المرء منفردا بنفسه ، فلا يمكن أن تكون إلا أشد محدودية وأكثر عرضة للخطأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت