2-الضوابط الصارفة لآفة الخلاف
لقد تقدم كذلك أن الاختلاف شيء والخلاف شيء آخر ، إذ الخلاف ليس معه أصلا دليل ، فيكون الواقع فيه - أي المخالف - متشهيا ، وإذا وجد معه دليل ، فلا يكون من وضعه أبدا ، وإنما من وضع غيره ، ولما لم يكن المخالف واضع هذا الدليل وكان مقلدا فيه ، لا يأمن ألبتة أن يأتي به على وجه لا يناسب بوجه ما الرأي أو الدعوى المتنازع فيها ، فيزيد الخلاف حدة حيث يحسب أنه يسعى في تخفيفه ، في حين أن الاختلاف لا تشهي معه ، لأنه لا اعتبار فيه إلا للدليل العقلي ، ولا تقليد معه ، لأنه لا اعتبار فيه إلا للاجتهاد الشخصي ، لذلك ترى صاحبه - أي المختلف - يسعى على قدر الطاقة ، لا في أن يضع دليله من عنده فقط ، بل أيضا في أن يكون هذا الوضع على أنسب وجه ، ولا يسعى كذلك في أن يورد نقده أو اعتراضه على دليل غيره فقط ، بل أيضا أن يكون هذا الإيراد على أنسب وجه ، كل ذلك ليقوي من حظوظه في الإسهام في رفع الاختلاف ، وبناء على هذه الاعتبارات ، أذكر الضوابط -التي تمكن من دفع الخلاف- الآتية:
1-2ضابط واجب الإثبات
ومقتضاه في صورته العامة هو:
-"يجب أن تكون الآراء مثبتة"
ومقتضاه في صورته الخاصة هو:
"عليك أن تدفع الاعتراض على دعواك بإثباتها بدليل مقبول" (3)
لا يمكن اجتناب الوقوع في الخلاف إلا إذا نهض المدعي بواجبه في إقامة دليل عقلي على دعواه التي ورد عليها اعتراض المعترض . طبقا للمبدأ المعلوم:"البيَّنة على من ادعى - ومتى أقام المدعي هذا الدليل العقلي ، حقَّ للمعترض أن ينظر فيه ، فإن أرضته معقوليته أمضاه ، وإلا عاود اعتراضه فأورده على مقدمات هذا الدليل ، بعضها أو كلها ، بوصفها دعاوى جديدة ، فيتوجب على المدعي أن يشتغل بإثباتها بدورها ، وهكذا حتى ينتهي إلى مقدمات مشتركة لا اختلاف فيها أو مسلمة عند المعترض تضطره إلى الإذعان ، وإلا اضطر المدعي إلى السكوت ، مقرا بعجزه في إثبات ما ادعاه ، إلا أن يسيء القيام بهذا الواجب ، فيوهم محاوره بفراغ ذمته من هذا الواجب كما إذا عرض دعواه على أنها بينة بنفسها أو أنه هو الضامن لصدقها أو يعمد إلى نقل هذا الواجب إلى ذمة المعترض كما إذا طالبه أن يبرهن على اعتراضه ."
2-2 ضابط الإثبات الأنسب
ومقتضاه في صورته العامة هو:
-"يجب أن يكون الإثبات ملائما للرأي المثبت".
ومقتضاه في صورته الخاصة هو:
-"عليك أن تثبت دعواك بأنسب دليل ممكن" (5)
لا يكفي في اجتناب الخلاف أن يجتهد المدعي في الإتيان بالدليل ، بل عليه كذلك أن يطلبه من الطريق الذي يبدو له أنه أدل على دعواه من غيره ، إذ يجوز أن، تكون هناك طرائق تدليلية متعددة لتعقب المطلوب ، لكن بعضها يكون أعلق بهذه الدعوى من بعض ، فيكون التخير أعلقها بهذا أقوى على منع الخوض في غيرها ، وبالتالي منع انتشار الحوار والخبط فيه ، أما إذا تخير المدعي غير هذا الطريق، فلا يأمن من أن يقع فيما يقع فيه"المخالف". الذي يأخذ من سواه دليله ، نحو الابتعاد عن الدعوى والاشتغال بالتدليل على غيرها .
2-3 ضابط الاعتراض الأنسب
مقتضاه في صورته العامة هو:
-"يجب أن يكون النقد ملائما للنقد المنقود"
ومقتضاه في صورته الخاصة ،فهي:
-"عليك أن تعترض على دعوى المدعي على أنسب وجه ممكن"
لا يكفي في اجتناب الخلاف أن ينتقد المعترض الدعوى ، بل يتعين عليه أيضا أن يأتي بهذا الانتقاد على الوجه الذي يبدو له أنه أكثر ملاءمة من غيره لهذه الدعوى ، إذ يجوز أن تكون هناك وجوه متعددة للتعرض لها ، لكن بعضها يكون أعلق بها من بعض ، فيكون اختيار أعلقها بها أقوى على حفظ الدعوى الأصلية وجمع المتحاورين عليها ، وعلى قدر ما يكون هذا الحفظ والجمع ، يكون القرب من النتيجة ، ولا يبعد أن يفضي اختيار غيرها إلى تقويل المدعي ما لم يقل ، إن تحريفا لقوله أو حتى افتراء عليه ، صراحة أو ضمنا .
3-الضوابط الصارفة لآفة الفرقة
لقد تقدم أخيرا أن الفرقة هي إما عبارة عن افتراق في الحقوق بين الأفراد داخل الجماعة - أي تفاوت - أو افتراق في بنية الجماعة - أي انشقاق - والحال أن الاختلاف في الرأي ليس فيه شيء من هذا ولا من ذاك ؛ لأنه يقوم على التساوي في الحقوق بين المتحاورين ، ثم لأن الغرض من الدخول في الحوار هو بالذات الخروج من الاختلاف في الرأي إلى الاتفاق فيه فحينئذ ، يبدو أنه لا شيء يمكن أن يحول دون هذا الاتفاق بحيث يفضي إلى الفرقة إلا واحدة من ثلاث آفات: إما أن تكون اللغة التي يستعملها المتحاوران مضطربة ( آفة لغوية ) أو يكون السلوك الخلقي الذي يتخذه أحدهما إزاء الآخر مختلا ( آفة خلقية ) أو يكون موقفهما من النتيجة المنطقية للحوار موقف المعاندة ( آفة منطقية ) ، ومن هنا ، نتبين نوع الضوابط التي نحتاج إلى وضعها والتي من شأنها أن تقي أهل الاختلاف في الرأي شر الفرقة .
2-3 ضابط إحكام العبارة
مقتضاه في صورته العامة هو: