فهرس الكتاب

الصفحة 6693 من 27345

ومع مسيرة الانسان في الحياة ينال تجارب وخبرة وزادًا من مختلف العلوم ، وتمر هذه التجارب وهذا الزاد على مصفاة الايمان والتوحيد مادامت النية تعمل خالصة لله ، ومادام الايمان والتوحيد يعمل في الفطرة السليمة ، حتى اذا صفا هذا الزاد من التجارب والعلوم ، توجه ليترك على كل قوة من القوتين ، الفكر والعاطفة شحنات تغذيهما ، ومع مسيرة الحياة يظل الواقع يمد هاتين القوتين بهذه الشحنات ، فكأن القوتين قطبان كهربائيان تتجمع عليهما الشحنات الكهربائية ، على حكمة لله غالبة ، وسنن لله ماضية ، قد نعلم بعضها ونجهل بعضها الاخر ، حتى تأتي اللحظة المناسبة على قدر غالب من الله ، وحتى تنمو الشحنات نموًا يجعلها قابلة للتفاعل ، فاذا ظلت النية تعمل عملها ، وفتحت نبع الايمان والتوحيد ومصفاتها ، واذا ظل هذا النبع الغني الطاهر يروي الفكر والعاطفة وما عليهما من شحنات ، كما يروي سائر القوى العاملة في الفطرة ، ويروي الزاد والتجارب وينقيهما ، ويروي الموهبة ، ليظل عمل جميع القوى في ساحة التقوى ، اذا حدث هذا كله ، تأتي اللحظة المناسبة على قدر غالب من الله ، فتأتي الموهبة المؤمنة المروية بالايمان ، فتطلق التفاعل بين القطبين وما عليهما من شحنات وينطلق من هذا التفاعل ومضة الابداع ، تحمل العطاء الايماني المتميز ، عطاء غنيًا على قدر غنى الفكر والعاطفة ، والايمان والتوحيد ، والزاد وشحناته وعلى قدر غنى الموهبة ايضًا ، ان هذه العوامل كلها تعمل في ذات الانسان ، في داخله ، في فطرته ، ليقدم الانسان عطاءه ، ويكون الانسان مؤمنًا وعطاؤه عطاءًا إيمانيًا مادامت الفطرة سليمة سوية لم تنحرف.

وقد يحدث ان تنحرف الفطرة أو يضعف الايمان ، فلا يكون الري متوازنًا فتنمو بعض القوى والغرائز والميول على حساب غيرها ، فيختل الاداء ويضطرب ، ويدخل بعضه أو كله في ميدان الفجور.

وقد نجد في واقع الحياة عملًا يبدو لنا في ظاهره طيبًا مع فساد صاحبه أو انحراف أو كفره وضلاله ، اما عمل الكافر والملحد قد يبين الله ورسوله لنا أمره ، فمهما حمل من زينة وزخرف فهو مرفوض عند الله:

(وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا ) الفرقان: 23

وحين سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله عن عبدالله بن جدعان ، وهل يقبل الله عمله وقد كان يصل الرحم ويقري الضيف 000 ؟ فقال: ( لا إنه لم يقل يومًا قط اللهم اغفر لي يوم الدين )

وقد يحدث ان يصدر عمل طيب في ظاهره من رجل منحرف فيتساءل الناس كيف يصدر هذا العمل من هذا الرجل.

ومن خلال ماعرضناه عن الفطرة نرى انه من الممكن ان يصدر عمل طيب كما يبدو لنا من رجل نظن انه ليس اهلًا لهذا العمل ، فيكون هذا العمل من اثر البقية الباقية من فطرته التي انحرفت أو شوهت ، فيبقى جزء ما يعمل فيها ، فتصدر بعد ذلك بعض الاعمال التي تبدو لنا في ظاهرها طيبة ، والله أعلم بخلقه وحسابهم على الله.

حماية الفطرة ورعايتها وسبيل الاسلام إلى ذلك:

من هذا العرض السريع الموجز لاهمية الفطرة ولخطورة دورها في حياة الانسان ندرك اهمية حمايتها وصونها من ان تتعرض للانحراف أو التشوية ، واهمية رعايتها.

والفطرة ليست (عضلة) في جسم الانسان ، ولا هي مادة ذات شكل وحجم ووزن وموضع في الانسان ، انها أمر من عند الله اعلمنا بها الله سبحانه وتعالى ، انها مجموعة قدرات وطاقات ، وغرائز وميول ورغبات ، أودعها الله في كيان الانسان ، تتفاعل مع اجهزة الجسم ، من قلب ودماغ وجهاز عصبي ، وغير ذلك مما لايعلمه الا الله.

ومن هذا التصور ايضًا ندرك مدى امتداد اهميتها في كيان الانسان ، وهي تتفاعل وتؤثر وتتأثر باجهزة الانسان المختلفة على سنن لله ماضية وحكمة بالغة.

ومهما كان التصور فانه يقودنا في النهاية إلى الاهمية البالغة للفطرة وخطورة دورها، ففيها اودع الله الحقيقة الكبرى في الكون والحياة ، قضية الايمان والتوحيد ، ومنها ينطلق عطاء الانسان مرويًا بنبع الايمان غنيًا به ، أو جافًا منحرفًا.

من هذا التصور ينطلق الادب الملتزم بالاسلام بتميزه الفكري والايماني والفني على قدر الايمان والموهبة والزاد ، ومن هذا التصور يخرج العطاء المتميز كله من علم وفن وصناعة وغير ذلك.

ولذلك كانت القوى التي اودعها الله فطرة الانسان تقرر مصيره في الدنيا والاخرة ، وهل هنالك اخطر من ذلك ؟!

ولذلك كانت حماية الفطرة هي الحق الاول للانسان في هذه الحياة الدنيا ، فاذا لم يوف هذا الحق تعطلت سائر الحقوق أو انحرفت أو تشوهت ، فدخلها الظلم والفتنة والفساد ، وتعطلت المسؤوليات كذلك.

واذا كانت حماية الفطرة حقًا لكل انسان ، بل هي الحق الاول والاكبر ، فانها في الوقت نفسه مسؤولية الامة بكل مستوياتها ومؤسساتها وقوانينها ، ابتداءًا من الأسرة والبيت والوالدين ، وانتهاء بالدولة ورجالها ، ومرورًا بالمعاهد والجامعات وسائر المراكز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت