وعند أبي يوسف: أنه لما حكمنا بثبوت النسب منهما فقد حكمنا بأنه مخلوق من ماء رقيقين، والمخلوق من ماء رقيقين لا يكون حرا لأن الولد من الأصلين فإذا كانا رقيقين وليس هنا سبب يمكن الحكم بحرية الولد بذلك السبب ، ولا وجه لإثبات الحكم بدون السبب يكون الولد رقيقا يقرره أن ولد الأمة مملوك لمولاها لأنه جزء من أجزائها، فحينئذ يبقى صفة الحرية لمائه فكان الولد رقيق (35) .
مسألة: تصرف اللقيط:
يعتبر تصرف اللقيط تصرف الأحرار، إلا إذا ثبت رقه فحكم تصرفه حكم تصرف العبيد لأنه ثبت أنه مملوك، ولكن لا يعتبر في إبطال ما يفعله من التصرفات من الهبة و الكفالة و الإعتاق و النكاح
ونحوها من التصرفات التي لا يمكنها العبد حتى لا تنفسخ و هذا عند الحنفية، وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: ينفسخ، وجه قوله: أنه لما أقر بالرق فقد ظهر انه كان رقيقا وقت التصرف فلم يصح تصرفه كما إذا قامت البينة على رقه (36) ، والصحيح- والله أعلم-: أن هذا إقرار تضمن إبطال حق الغير، لأنه حريته ثابتة من حيث الظاهر، فلا يصدق في حق ذلك الغير، فإذا تضمن إبطال حقه حق الغير كان دعوى أو شهادة على غيره من ذلك الوجه فيصدق على نفسه لا على غيره .
مسألة:إقرار اللقيط:
إن أقر اللقيط بالرق على نفسه بعد أن كان أقر بالحرية لم يقبل إقراره بالرق، لأنه قد لزمه بالحرية أحكام من العبادات والمعاملات فلم يملك إسقاطها، وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية وكذبه المقر له بطل إقراره لأنه لا يثبت رقه لمن لا يدعيه، فإن أقر بعده لغيره قبل كما لو أقر له بمال، ويحتمل أن لا يقبل لأن في إقراره الأول اعترافا بأنه ليس لغيره فلم يقبل رجوعه عنه كما لا يقبل رجوعه عن الحرية (37) .
و إن بلغ فأقر أنه عبد فلان نظر في ذلك، إن كان لم يجر عليه شيء من أحكام الأحرار صح إقراره، لأنه لم تعرف حريته إلا بظاهر الحال، فإذا أقر بالرق فالظاهر أنه لا يقر على نفسه بالرق كاذبا فصح إقراره، فإن كان قد اعترف بالحرية لنفسه قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق بعدها، لأنه اعترف بالحرية وهي حق الله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطاله (38) .
مسألة:ادعاء الغير بالرق للقيط:
إذا ادعى شخص رقه سواء الملتقط وغيره لا يقبل قوله، لأن الظاهر حريته، وفيه إضرار به، فإذا ادعى رقه من هو في يده لم يقبل إلا ببينة في الأصح (39) .
وإذا بلغ اللقيط فادعى عليه رجل أنه عبد فأنكره فالقول قوله لأن الأصل الحرية (40) .
وعليه فلا يسمع من المدعي إلا ببينة لأن حريته من حيث الظاهر فلا يقدر على إبطال هذا الظاهر إلا بدليل، فإن ادعى أنه ابنه ثبت نسبه منه لأنه ينفعه، وكان حرا فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك، والحر في دعوته اللقيط أولى من العبد، والمسلم أولى من الذمي ترجيحا لما هو الأصلح في حقه (41) .
قال الشافعي رحمه الله: ولو أقر اللقيط بأنه عبد لفلان، وقال الفلان ما ملكته قط ثم أقر لغيره بالرق بعد لم أقبل إقراره وكان حرا في جميع أحواله (42) .
فإذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه لأنها ممكنة، وإن كانت مخالفة لظاهر الدار فإن لم يكن له بينة فلا شيء له لأنها دعوى تخالف الظاهر وتفارق دعوى النسب من وجهين أحدهما: أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق تخالفه، والثاني: أن دعوى النسب يثبت بها حقا للقيط ودعوى الرق يثبت بها حقا عليه فلم تقبل بمجرده (43) .
جمع وإعداد / يونس عبد الرب فاضل الطلول
(1) انظر: الشرح الكبير ( جزء 6 - صفحة 405 ) .
(2) المدونة الكبرى ( جزء 4 - صفحة 263 ) .
(3) الشرح الكبير ( جزء 6 - صفحة 405 ) ، المغني (6/403 ) .
(4) الاستذكار ( جزء 7 - صفحة 159 ) بتصرف .
(5) الشرح الكبير ( جزء 6 - صفحة 405 ) .
(6) المغني (6/403) .
(7) الكافي لابن حنبل (2/203) .
(8) الروض المربع ( 1/450) .
(9) منار السبيل ( 1/325) .
(10) العدة شرح العمدة ( جزء 1 - صفحة 259 ) .
(11) انظر:عمدة القاري ( جزء 6 - صفحة 152 ) .
(12) انظر: المبسوط ( جزء 6 - صفحة 420 ) .
(13) انظر: بدائع الصنائع ( 5/290) .
(14) انظر: مغني المحتاج ( جزء 2 - صفحة 422 ) .
(15) كفاية الأخيار ( جزء 1 - صفحة 655 ) .
(16) انظر: المغني ( جزء 6 - صفحة 405 ) .
(17) انظر: الشرح الكبير ( جزء 6 - صفحة 405 ) ، المغني (6/403 ) .
(18) الكافي لابن حنبل (2/203) .
(19) الروض المربع ( 1/450) .
(20) انظر:الإقناع ( جزء 2 - صفحة 405 ) .
(21) مغني المحتاج ( جزء 2 - صفحة 422 ) .
(22) الإنصاف ( جزء 6 - صفحة 434 ) بتصرف .
(23) عمدة القاري ( جزء 13 - صفحة 237 ) .
(24) المغني ( جزء 6 - صفحة 403 ) ، الشرح الكبير ( جزء 6 - صفحة 403 ) .
(25) انظر: المدونة الكبرى ( جزء 4 - صفحة 263 ) .
(26) أخرجه أبو داود ج2ص139 برقم 2906،وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود ج1ص287 برقم 623 .
(27) منار السبيل ( 1/325) .
(28) انظر:المبسوط ( جزء 6 - صفحة 146 ) .
(29) انظر:المبسوط ( جزء 6 - صفحة 146 ) .