فهرس الكتاب

الصفحة 6760 من 27345

قال فالتفت إليَّ أبو لهب وضربني في وجهي ضربًا شديدًا فثاورته فأخذني وكنت ضعيفًا فاحتملني وضرب بي الأرض؛ ثم برك عليّ يضربني؛ فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته وضربته به فشجت رأسه شجة منكرة فقالت له: أتضربه أن غاب عنه سيده؛ فولى ذليلًا منكسرًا قال أبو رافع: فو الله ما عاش إلا سبع ليال بعد ذلك حتى رماه الله عز وجل بالعدسة، والعدسة مرض يشبه الطاعون - قروح تصيب الإنسان وهو مرض معد - فلقد مات فما جرؤ أبناؤه على أن يدفنوه، وظل في بيته ليلتين أو ثلاثًا حتى أنتن؛ فجاء رجل من قريش إلى ابنيه فقال: ويحكما أما تستحيان أن أباكما أَنْتَنً ولم تغيباه. قالا: لا إننا نخشى من هذه القرحة. قال فأنا معكما، فاحتملاه فلم يقدرا على أن يُغًسِّلاه إلا قذفًا بالماء من بعيد، ثم احتملاه فوضعاه في ظاهر مكة عند جدار وقذفا عليه الحجارة، حتى وارياه بالحجارة، وفي رواية أنهما احتفرا له حفيرة ثم دفعاه بالعصي دفعًا ثم واروه بالحجارة لم يقربوه. تلك كانت عاقبة أبي لهب التي استحقها من خصومته للنبي صلى الله عليه وسلم، فما فعلت أم جميل؟ أم جميل زوجة أبي لهب وأمّ صهر النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يمكن أن يكون؛ كانت تنقل الشوك على ظهرها فتلقيه في الطريق الذي يسير فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا دخل إلى بيته، احتملت حزمًا من هذا الشوك المؤذي فطرحته على الباب؛ إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزلت السورة ولكي تعرفوا ما أم جميل؟ فأم جميل ليست من النساء العاديات وإنما هي من النساء المسترجلات؛ لما أنزلت السورة وقرئت عليها وفيها ذكرها وَوَصْفُ لها بأنها حمالة الحطب، وبأن في جيدها حبلًا من مسد؛ جاءت وفي يدها فهر من حجارة -حجارة كبيرة- إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر جالسًا فقال له أبو بكر يا رسول الله هذه أم جميل أخشى أن تنالك بسوء قال له لا عليك، فلما جاءت قد استهلتها الحمية واحتملها الغضب الشديد؛ ما استطاعت أن ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا أبا بكر: أين صاحبك فقد بلغني أنه هجاني؛ قال لها لا والله ما هجاك وبالفعل رسول الله لم يهجُها.. الذي هجاها هو الله وليس رسول الله صلى الله عليه، قال فانصرفت وهي تقول: مذممًا أبينا ودينه قلينا - لم تقل محمد وإنما قالت مذمم - فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه وقال: أترون إلى ما يصرف الله عني من شتمها هي تشتم مذممًا، وأنا محمد فهذه أم جميل امرأة سليطة اللسان قوية الجنان تغشى مجالس الرجال، ويكون لها دور فعال في الخصومة التي أثيرت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك هي القصة بحذافيرها.

خط بياني لو أخذته لوجدته؛ يبدأ بالألفة والسرور بالوليد، وبمحاولة التقرب من الرجل الذي أصبح شابًا وتزوج وولد له ثم قَطْعٌ للعلائق، ثم دعاوى وتشويه ضد النبي صلى الله عليه وسلم ثم إِعانةٌ على حربه بالمال ثم نهاية ينتهي إليها كل طاغية لا يؤمن بيوم الحساب؛ ولكن نهاية أبي لهب تستحق التفكير. الناس يموتون لا ريب في ذلك ولكن ميتة كهذه ميتة لا يجرؤ فيها ابنه على أن يدفنه؛ ميتة يمكن أن تكون موعظة للمتقين، يمكن أن تكون موعظة لذوي الألباب، فالدخول في خصومة مع الله تبارك وتعالى، مع أوليائه من المؤمنين المتقين ومحاولة قطع الطريق على الدعوة والتشويش عليها ومحاربة أولياء الله الذين لا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا لله، فمن أجل ذلك يقتلون ويصلبون ويطاردون تحت كل كوكب؛ هذه الأمور لا يمكن أن تمر بسلام، ولا يمكن أن تمر بغير ثمن، إن كل الذين نصبوا الحرب لله ورسله ولأوليائه والذين يأمرون بالقسط من المؤمنين ذاقوا وبال أمرهم وكان عاقبة أمرهم خسرًا وقد يمتعهم الله بالمال، وقد يمتعهم بالبنين، ولكنه يأخذهم على تخوف فإذا أخذهم، أخذهم أخذ عزيز مقتدر وإذا بطش بهم بطش بهم البطشة الكبرى التي تكون عبرة لأولي الألباب والتي عرض الله تبارك وتعالى نماذج ثرة منها في القرآن وعرضت علينا وقائع السيرة النبوية نماذج أخرى لها سوف ترونها بإذن الله ويعرض التاريخ الإنسان في كل يوم نماذج من لونها ومن طرازها لكي يتذكر من تذكر، ولكي يتدبر من تدبر، ولكي يوقن من أراد له الله السعادة بأن آخر هذا الشوط دمار وخسار، وبأنه حق تمامًا أن يتحقق ما قال الله:

(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت