فالعرب إذًا حينما عكفت على الأصنام تعبدها وتقرب لها القرابين وتريق عندها دماء الأضاحي ، فعلت ذلك لا إنكارًا لله جل وعلا ، ولكن ذهابًا للتنزيه من طريق مغلوط . مرة أخرى ، العرب ما أنكرت الله ، ولكنها أرادت أن تنزه الله تعالى فسلكت الطريق الخطأ ، أرادت أن تنزه الله فتصورت أن الله بعيد عن الإنسان ، والله أقرب للإنسان من حبل الوريد . وأرادت أن تنزه الله فرفعته عن أن يقبل مقام الجلال والكمال أن يخاطبه المخلوق مباشرة ، والله تعالى قال ( ادعوني أستجب لكم ) فهذا الانحراف الذي واجهه محمد صلى الله عليه وسلم في تصور الإلوهية هو الذي انصبت عليه الآيات التي نتلوها الآن ( سبح بسم ربك الأعلى ، الذي خلق فسوى ، والذي قدّر فهدى ، والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ) أرادت هذه الآيات وما شاكلها أن يعمل رسول الله صلى الله عليه وتعمل المجموعة التي آمنت معه بحقائق هذا الدين وبآيات الله جل وعلا على أن تقتلع كل هذه الجذور والأشواك والنباتات الضارة التي وُجدت حول مسألة التوحيد ، إن الله جل وعلا قريب من عباده ويسمع دعاءهم ويستجيب لشكاتهم ويرحمهم ، وإن الله تعالى لا يحتاج إلى وسائط ، ، والوسائط خطأ ، وإن من تسبيح الله تعالى أن تمكّن الصلة بين الإنسان وبين الله جل وعلا ، وما سبّح الله وما نزّه الله من أشرك معه آلهة أخرى على أي نحو من الإشراك ، ولهذا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الوطأة على الذين يشرّكون ولو من طرف خفي ، جاءه رجل ذات يوم: ما شاء الله وما شئت . فقال النبي صلى الله عليه وسلك مستنكرًا غاضبًا: ويحك أجعلتنب لله ندًا . وما مشيئة الإنسان إلى جانب مشيئة الله تعالى ، إن مشيئة الله طليقة لا يحدها حد ولا يقف في وجهها سد والله تعالى يفعل ما يشاء ويختار . والنبي صلى الله عليه وسلم حين أخذه الكرب ودخل في النزع في مرض وفاته كان يسمح عن وجهه برحاء النزع ويقول: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، اللهم لا تجعل قبري من بعدي وثنًا يُعبد . وهؤلاء الناس يترامون على القبور يتمسحون بها ، ويترامون على دعاء الأموات والأحياء يظنون فيهم نفحة من قدرة الله .
وأن هؤلاء الذين تدعونهم كشركاء وكشفعاء يبتغون إلى ربهم الوسيلة كما تبتغون أنتم الوسيلة ، ما عبد الله حق عبادته وما نزّهه حق تنزيهه مَن رأى لمخلوق في هذا الكون قدرة لها أي تأثير في مسار هذا الكون . كذلك ما عبد الله وما نزّه الله أبدًا وما سبحه مَن جعل لحياته وحياة الناس نمطًا لا يستمدّ أصوله وقواعده وتشريعاته وقيمه وتصوراته من حقائق هذا الوحي الكريم ، فالناس الذين خاطبهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بهذا القرآن قبل أربعة عشر قرنًا كانوا يضعون لأنفسهم قُطُر الحياة التي يريدونها ، ويضعون لأنفسهم الأنموذجات التي يريدون أن يحيوا عليها فجاءهم القرآن ينبههم إلى أن تقاليد القبيلة وأحكام العشيرة وتصورات البشر لا توصل إلا إلى الدمار ، وأن الخلاص في إسلام الوجه لله تبارك وتعالى ، ما لم تسلم وجهك لله حق الإسلام فأنت ضائع وهالك ، وإن البشرية التي تسير ولا تسير على هدى من هذا الكتاب المنير قد تنعم بالرخاء والبحبوحة سنوات قصارًا ، ولكنها تدمر نفسها ، أفأنتم محتاجون إلى دليل وقد عاصرتم الدليل الذي لا يُنقض والشهادة التي لا تخفى . في عام 1914 بلغ التكالب البشري وبلغ العداء البشري أوجه ، فانفجرت الحرب العالمية الأولى ، وقيل بعد عصبة الأمم إن الدنيا أقبلت على عهد رخاء وعلى عهد إخوة وسلام ، وجاءت مبادئ ويلسون الأربعة عشر ، فإذا هي هراء ، وإذ الكلام الذي يُكتب على الورق غير حقائق الحياة التي تتحرك بها نوازع الناس ورغبات البشر .
وجاء عام 1939 فانفجرت الكارثة أعنف من الأولى وأشد فتكًا وأعظم هولًا ، وأخذت من جملة البشرية ما لا يقلّ عن ستين مليونًا من الناس قضوا بلا جريرة وبلا ذنب إلا أنهم ذهبوا ضحايا المطامع وضحايا الشهوات وضحايا الاصطراع بين الأغنياء والكبراء وزعماء العالم ، وها نحن نعيش في عام 1976 على حافة رعب يعيش معنا في ليلنا وفي نهارنا ، لئن كان الناس في الحرب العالمية الأولى يخرجون ليتفرجوا على الحروب كيف تكون وعلى القتال كيف يحدث ، إن حروب اليوم المنتظرة لا تبقي ولا تذر ، إنها تصلك وأنت في عقر دارك ، قد لا تكون قنبلة تلقى عليك ، قد تكون نسمة طائرة في الهواء تستنشقها فتموت ، وإذا لم تمت فتستنشقها فإذا أنت مستودع للتشوه العقلي والبدني يتسلسل منك إلى الأبناء والأحفاد ، إن هذا دليل ـ لا يمكن لأحد أن يدفعه ـ على فشل الإنسان في تفكيره وفي تقريره وفي تدبيره ، فلا بد للإنسانية كي تسبح الله وكي تنزه الله وكي توحد الله من أن تستمد منه فقط تصوراتها وقيمها وأخلاقها وتشريعاتها .