يقول الله تعالى
( فلا أقسم بالخنس ) والخنس هي الكواكب التي تخنس أي تختفي ، ويقال في كلام العرب خنس على معنيين ، الاختفاء الكامل والتضاؤل ، الاختفاء الكامل معروف ، وأما التضاؤل فمحاولة الشخص أن يصغّر من جرمه وشخصه ، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه حينما لقي الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض طرقات المدينة وكان أبو هريرة جنبًا ، فكره أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على تلك الحالة ، قال: فذهبت أنخنس منه . هما في الطريق يتقابلان ، ولكن أبا هريرة حاول أن يضائل شخصه ويصغّر جرمه كي يضيع بين المارة فلا تقتحمه عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأيًا كان فإن المتبادر من الانخناس هنا هو المعنيان جميعًا ، فالكواكب في حالة اللمعان والإشعاع تراها تارة عند شدة الوهج يكبر جرمها ويمتد شخصها ، وتارة عند القبض تضؤل حتى تكون نقطة من ضياء ، فهذا انخناس . والكواكب كذلك في دورة الفلك ما كان منها طالعًا يغيب ، وهذه الغيبوبة هي انخناس أيضًا .
( فلا أقسم بالخنس ، الجوار الكنس ) والجوار أيضًا هي الكواكب ، والكنس هي التي تدخل كنسها ، والكنس جمع كناس ، والكناس مأوى الظباء والغزلان في لغة العرب . وذلك معناه قسم بالكواكب التي تختفي اختفاء الظباء في كنسها وذلك حين يكون النهار وتغيب النجوم عن أعين الرائين . ( فلا أقسم بالخنس ، الجوار الكنس ) ما زلنا ضمن المشهد الكوني العام ، ما زلنا لم تغب عنا مشاهد القدرة ، لكن مشاهد القدرة هنا كما يجب عليكم أن تحاولوا معرفتها وتتأملوها جيدًا ، تختلف عما كانت عليه في نصف السورة الأول ، هناك في النصف الأول عوالم تصطدم ، نجوم تنكدر وشموس تنطفئ وجبال تسيّر وما إلى ذلك من مظاهر التخرب العام الذي يعتري هذا البناء الكوني قبيل يوم الآخر . وهنا الأمر يختلف .. هناك مشهد يُرسم على النحو الذي رُسم عليه ليؤدي إلى خاتمته المنطقية وهي وقوف الناس للحساب ومعرفة كل أحد ما قدم في الدنيا .
( والليل إذا عسعس ، والصبح إذا تنفس ) والصبح إذا تنفس يعطيك من جهة معنى الحركة التي هي ملازمة للنهار ، ولكنه يعطيك من جهة أخرى هذا المعنى الرقيق الشفاف الذي تلمسه عند أول مظهر من مظاهر الحياة ، كما تلمسه عند أول شعاع ينشق عند الفجر .. ما هي المناسبة التي نجد المشهد الكوني فيها هنا في النصف الثاني من السورة ؟ يمشي من الموات إلى الحياة ، بينما كان المشهد الكوني في القسم الأول من السورة يمشي من الحياة إلى الموات عكس المشهد الثاني . هناك استخدم السياق كما قلنا ليؤدي إلى خاتمته المنطقية ونتيجته التي لا بد منها حينما ينتهي هذا البناء الكوني لينقلب الناس إلى دار أخرى ضمن عالم آخر يقدمون الحساب عن أعمالهم . وهنا يأتي هذا الكلام توطئة وتمهيدًا وترشيحًا للحديث عن النبوة ( فلا أقسم بالخنس ، الجوار الكنس ، والليل إذا عسعس ، والصبح إذا تنفس ، إنه لقول رسول كريم ) هنا يتساوق هذا الجزء وهذا المقطع من هذا المشهد مع كل الأجزاء التي مضت ، كيف تكون هناك ظلمة والنجوم مشتبكة وأطباق الظلام متراكبة ثم يأتي الفجر يتنفس تنفسه الهادئ الوديع ، ثم ينشر أشعته البيضاء فيبدد غياهب الظلمات ، ويحيل الظلام إلى نور ، ويبدل الهمود بالحركة ، كذلك تفعل هذه الرسالة الخاتمة الهادية ، وكذلك هو وضعها .
فما كان في الجاهلية فـ
( ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ) وما كان في الجاهلية فاشتباك في شئون هذه الحياة غير قابل للحل ، وما كان بعد ذلك فهذا الشفق وهذا الفجر فهذه الأنسام فهذه الأنفاس التي تمنح الناس أملًا متراحبًا في الحياة الجديدة ، كذلك رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .
ولو أنك أعطيت الريشة أمهر الفنانين وأعظم المصورين ليصور لك الأمر على نحو مغاير لعجز ، لا يمكن للمشهد أن يخرج مستجمعًا كل أسباب الروعة وكل مقومات الجمال إلا أن يكون مرسومًا على هذا النحو . تلك ظاهرة أنا مضطر إلى أن أشرحها مع علمي بعجز الكثيرين عن استيعابها ، ولكني أشرحها وأطرحها بين يدي كلام سبق أن قلته في الجمعة الماضية ، إن طرائق الأداء وأساليب التعبير عامل أساسي في معركة الحجاج والنقاش التي كانت تدور بين المسلمين وخصومهم ، وإن طرائق الأداء وأساليب التعبير عامل مهم في تكوين القناعات وتثبيتها ، وإذا كنا نحن بما بعد علينا العهد بإحساسنا باللغة ففقدنا بذلك سلائقها وإشعاعاتها وقدرتها على التأثير ، إذا كنا نحن كذلك لا نملك أم نحس بهذه الجواء الإحساس الذي أحسه العربي قبل أربعة عشر قرنًا فانفعل به وتأثر وتكونت لذلك قناعاته ، وتحددت لذلك أنماط سلوكه وتحددت تبعًا لذلك غاياته التي يسعى من أجلها ويهدف إليها ، فإن ذلك لا يقلل بتاتًا من الأهمية البالغة التي تأخذها طرائق الأداء في سياق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى .