وإن من الظلم البيّن لهذا القرآن الكريم ولهذه اللغة الشريفة أن يُحمل عليهما جهل الأخلاف لتحركات اللغة حينما تتحرك داخل الأفئدة والقلوب . يقينًا إن الإنسان العربي الذي خوطب بهذا الكلام قبل أربعة عشر قرنًا كان يحس من غير تأمل ومن غير حاجة إلى الشروح بكل هذه الجواء التي شرحناها ، بل بما هو أكثر منها . ولأقرب لكم الأمر ، فأنتم تتكلمون اللغة العامية ولو أراد الله بكم خيرًا لأجرى على ألسنتكم الفصحى ، تتكلمون اللغة العامية ولكم في العامية تعبيرات ، ولكم في العامية مصطلحات ، حينما تسمعون تعبيرًا من التعابير العامية الجميلة فأنتم تتصورون عالمًا كاملًا من المعاني يتداعى إلى أذهانكم ، لماذا ؟ لأن هذا اللسان وهذه اللغة مرتبطة بأصل الوجود بذات الكيان الإنساني ، فالإنسان حين يتكلم ليس معقولًا بل ليس صوابًا أنه يلقي كلمة من طرف لسانه في الهواء ، أبدًا ، وإنما هو حينما يتكلم يقتطع ويحتز بَضعةً من كيانه ليلقيها إلى الناس . من هنا تأخذ اللغة أهميتها ، وتأخذ أهميتها بصورة خاصة من حيث كونها سلاحًا في المعركة لا يبارى ولا يجارى .
ندخل الآن إلى ما نحن بسبيله .. فالله تعالى بعد أن قال
( فلا أقسم بالخنس ، الجوار الكنس ، والليل إذا عسعس ، والصبح إذا تنفس ) قال ( إنه لقول رسول كريم ) ولتوضيح شيء من مدلول القسم ، الله جلّ وعلا ينفي القسم ، وهذا على غير السياق المعهود ...