المستشفيات عن المعاقين فيها ، وسلوا المصابين ممن فقدوا أطرافهم أو بعضها ، وممن شلت حركتهم أو بعضها ، ممن فقدوا أبناءهم ، أو آباءهم ، أو إخوانهم ، وفي أحيان كثيرة أسرهم . في لحظة تهور ، أو تحد أو استهتار ، أزهقت فيها نفوس ، وأتلفت فيها أموال ، ولا تذهبوا بعيدا فدونكم آثارها فانظروا إليها ، فما كان بينها وبين الهلاك إلا ثوان ، فاعتبروا يا أولي الأبصار . ففي العام قبل الماضي كانت حوادث المرور قريبا من مئتين واثنين وستين ألف حادث ، نسبة الوفاة فيها ست عشرة وفاة لكل ألف حادث !!! أي إن إنسانا يقتل كل ساعتين بسبب الحوادث . فحوادث السيارات أكثر أسباب الوفيات في بلادنا الحبيبة . ولا يشمل ذلك من يتوفى في المستشفيات بعد نقلهم إليها . ففاقت نسبة قتلى الحوادث كل سبب آخر ، كالسرطان وأمراض القلب . أيها المسلمون: قتل النفس بغير حق جريمة عظمى ، ويزداد عظمها إذا أضيف إليها أن هذه النفس ربما كانت عائلا وحيدا لأسرتها ، وربما كانت ثمرة فؤاد لأهلها ، وربما كانت أما حانية ترفرف بظلال الحب على بيتها ، أو أبا يرفرف بعطفه على أنجاله ، ويحمل لهم الرزق والأمان . وربما كانت داعية للهدى تنشر الخير وتعين عليه ، وربما كانت عالما من علماء المسلمين ، أو أحد الأئمة المتقين ، تزهق روحه ، أو يبتر عضو من أعضائه ، أو تشل حركته ، فيبقى طريح الفراش سنين عددا ، لا حي فيرجى ، ولا ميت فينعى . أضف إلى هذا ما يواكب تلك الحوادث من خسائر مادية ، تنوء بحملها كواهل الأسر والدولة ، وشركات التأمين ، في صور تعويضات ، وديات تدفع ، وأموال تنفق على الجرحى والمصابين ، ولكم أن تتصوروا حجم الخسارة ماديا إذا علمتم أن الدولة تخسر واحدا وعشرين مليار ريال سنويا ! بمعدل ستين مليون ريال يوميا ، ولك أن تقول ثلاثة ملايين ونصف المليون في كل ساعة . أيها المسلمون: إن الحفاظ على ثروة الأمة من أبنائها واجب شرعي ، جاءت كل شرائع السماء لتقرره ، وتدعو إليه . ولا يقل عنه أهمية الحفاظ على ثرواتها المادية التي تهدر في حوادث كان من الممكن تلافيها ، أو التقليل منها . وعلى هذا فإن من الواجب أن تنظر المسألة بعين الشريعة ، حيث إن الكثير من الناس ينظر إليها بعين النظام ، ومن هنا يستهين به ، ولا يأبه له ، فتراه مخالفا لأنظمته ، غير مراع لقوانينه ، ظنا منه أنه إنما يخالف نظاما لا ثواب فيه ولا عقاب عليه عند رب العالمين ، وهذا من الجهل بشريعة الإسلام ، ومن مناقضة ما يدين الله به كل مسلم ، في أن الإسلام دين ودولة ، فهو لم يترك دنيا الناس بلا تنظيم أو تشريع ، فجعل لها ما يسمى بالمصالح المرسلة ، وبما يدخل ضمن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . ولما كان ذلك من هذا القبيل صارت مخالفته مخالفة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم . كما إن من القواعد الشرعية المرعية: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . ولا يمكن الحفاظ على أرواح الناس ، وأموالهم إلا بنظام يسيرون عليه ، يؤمن الحياة ، ويحفظ الأموال . ولهذا فإن التقيد بأنظمة المرور شرع ، يدان به لله تعالى . وليس مجرد نظام من أمن عين الرقيب فيه ساغ له مخالفته ، فيقطع الإشارة فيصطدم بأسرة كان الطريق لها سالكا ، ومن أقل ما يمكن أن ينتج من مخالفته تلك ترويع المسلم ، إن لم يتجاوز ذلك إلى إتلاف سيارته ، وتعطيل مصالحه ، وربما موته أو أحد مرافقيه أو جميعهم . وربما كانت نتيجة ذلك إعاقة دائمة ، كشلل رباعي أو فقد بصر أو سمع أو طرف من الأطراف . وليس من الشرع أن يقود المرء سيارته قريبا من الطيران ، متجاوزا حدود المقرر نظاما ، ومتجاوزا أرتالا من السيارات ، منعطفا يمينا وشمالا ، كأن لا عقل له . ويوحي لمن رآه أنه استعجل لأمر ما ، وما هو بذلك . والغريب العجيب أن أكثر الناس لا يشعر بقيمة الوقت إلا حين يقود سيارته ، فيستطول ثواني أمام إشارة ، ودقائق في طريقه ، فينطلق كالصاروخ مسرعا ليصل ، وكم من مسرع ليصل ، ولكنه أبدا لم يصل ، بل سرعان ما نقل إلى مقبرة أو مستشفى ، ولات حين مناص . وقد قيل في المثل: أن تصل متأخرا خير من أن لا تصل أبدا . عباد الله: لقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نعطي الطريق حقها ، وأخبر أن إماطة الأذى عن الطريق إحدى شعب الإيمان ، فالله الله في الطريق ، فأعطوها حقها ، واتبعوا نظامها ، وسيروا حسب قوانينها طاعة لله ، في طاعة ولاة الأمر ، وطاعة لله في حفظ نفسك ونفوس إخوانك ، وطاعة لله في حفظ مالك وأموال إخوانك ، وطاعة لله في حفظ كنوز المسلمين البشرية والمالية لمواجهة العدو ، ونصرة دين الله ونشره والدعوة إليه . فخسارة الأنفس التي عليها قوام الأمم ، وبخلافة الأرض وعمارتها من أعظم المصائب ، حتى نعت في القرآن بالمصيبة ، كما قال جل وعلا: فأصابتكم مصيبة الموت . وإتلاف الأموال في حوادث المرور حجب لها من أن تنفق في أوجه الخير الأخرى ،